سير وأعلام عرض كتاب

عبدالعزيز: صقر الجزيرة!

في التاريخ عظماء يصعب الإحاطة بتاريخهم وسيرتهم لأسباب عدة، يأتي على رأسها أن هالة العظمة تسطع على ناحية فتبرزها، وربما تخفت أنوارها زاوية أخرى أو تحجبها. من الأسباب كذلك قصور الدرس التاريخي مهما اجتهد أصحابه في البحث والمذاكرة عن تناول الموضوع من أبعاده الشخصية والأسرية والمجتمعية والبلدانية والتاريخية والعسكرية والإدارية والاقتصادية والتنظيمية وغير ذلك. حقًا إن كتابة سير العظماء الأماجد صنّاع التاريخ لأمر شاق، وخطة صعبة، ومع ذلك فلا مناص منها حتى مع الإيمان المسبق بهذه المقدمة.

ثمّ إن وصف أبي جعفر المنصور لأحد منافسيه، وهو الخليفة العالم المشارك في عدة فنون، وهو الرجل الذكي نافذ النظر حتى وصف بأن عينيه لسانان ناطقان، وهو الحاكم صاحب الطموح، قد أصبحت كلمة تاريخية، وشهادة صدق بحق عبدالرحمن الداخل، حينما خلع عليه لقب “صقر قريش” نافيًا اختصاص نفسه بهذا الوصف، وهو تجرد يعز نظيره. إن ظاهرة شخصية الصقر المحلّق عاليًا، ثم ينقض صوب مبتغاه متى واتت الفرصة، فيظفر ويغنم لنادرة قليلة، ولذلك فما أجدر الملك عبدالعزيز، مؤسس المملكة العربية السعودية، وموحد أطرافها، وجامع أنحائها المترامية، بذلكم اللقب السامي المهيب.

وقد رافق التوفيق كله الأستاذ الأديب اللغوي أحمد بن عبدالغفور عطار حينما ألّف كتابًا يتناول سيرة الملك عبدالعزيز، واتخذ من “صقر الجزيرة” عنوانًا له. وبين يدي هذه الطبعة الجديدة الأنيقة من كتاب صقر الجزيرة، وهي الطبعة الأولى لدار العارض، صدرت عام (1444=2022م). تتكون هذه الطبعة من ثلاثة أجزاء، عدد صفحات الأول منها (432) صفحة، وصفحات ثانيها (400) صفحة، وأما الثالث فيقع في (543) صفحة، وفي آخره فهرس للأعلام، وفهرس للأماكن، وهي من إضافات هذه النسخة التي أشرف على إخراجها والتقديم العلمي لها د.عثمان بن عبدالعزيز العسكر، وكتب العميد الطيار المتقاعد هيثم بن أحمد بن عبدالغفور عطار الإهداء في أوله، وهو إهداء فخم لمقام خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان، ومقام سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان– حفظهما الله وأيدهما بتوفيقه-.

 

مؤلف هذا الكتاب أديب ولغوي وعالم سعودي، هو الأستاذ أحمد بن عبدالغفور عطار (1334-1411)، ولد وعاش وتوفي في المملكة، وقد درس في مصر مدة يسيرة. له مؤلفات كثيرة في فنون متعددة، وتحقيقات، ومقدمات أبهرت أعلامًا مثل العقاد، وبعض كتبه حظيت بتقديم من الملك فهد حين كان أميرًا ووزيرًا للمعارف. للمؤلف علاقات واسعة داخل المملكة وخارجها، وفي الأسرة الملكية، حتى أن الملك فيصل شفع له عند الملك عبدالعزيز لإنهاء إشكال حدث للعطار، وسرد خبره في أحد كتبه. ومن شدة التصاق مؤلفنا بالعلم والتأليف والقراءة، حوت خزائن كتبه خمسًا وعشرين ألف كتاب، وبلغت مؤلفاته عددًا كبيرًا، في أبواب متنوعة، وعسى أن ينهض المخلصون لخدمة الأعمال الكاملة لعالمنا وأديبنا.

 لهذا الكتاب عدة مزايا تجعله من أهم الكتب المؤلفة عن الملك عبدالعزيز، منها أن مؤلفه عرضه على مقام الملك نفسه، وتحاورا فيه، ويبدو أن المحتوى أعجب الزعيم ذا النظرة الواسعة العميقة، فمنح للمؤلف صورة ملكية عليها توقيع عبدالعزيز بخطه. ولمزيد تأكيد، دفع الملك الكتاب إلى لجنة يرأسها الأمير عبدالعزيز آل إبراهيم، وهو من رجال الدولة المخلصين، فأقرت ما فيه، وعلى إثر هذا فُسح الكتاب حتى مع وجود بعض التحفظات من بعض موظفي الشعبة السياسية، وما أكمل حسن الظن، مع فتح الباب للاجتهاد المقبول بعلم وأدب وعقل وحكمة.

من مزاياه أيضًا أن المؤلف عكف عليه سبع سنوات حتى ظهرت طبعته الأولى عام (1365)، وقرظه الأديب والوزير المصري محمد حسين هيكل باشا، لكن مؤرخنا لم يقف عند هذا المكسب الثقافي والعلمي، بل واظب على التقصي والتنقيب، وتقليب أوجه النظر، وتتبع الرواية وتمحيصها وشرحها، حى أصدر طبعة ثانية عام (1384) في ثلاثة أجزاء، وآمل ألّا يظن القارئ أن العطار توقف بعدها، بل واصل مشروعه حتى أنجز الطبعة الثالثة عام (1392) في سبعة أجزاء، والطبعة الجديدة التي بين أيدينا تعتمد على هذه الطبعة وتحيل إليها.

‏ ومع طول المدة التي تتجاوز ثلاثة عقود، فقد أمضى المؤلف أكثر من عشر ساعات يومية على كتابه هذا حتى غدا من أوعب وأوسع ما كتب في بابه. وفيه استطاع المؤلف أخذ الرواية من أكثر معاصريها أو ممن يرويها عنهم مباشرة، فهو مصدر أولي لموضوعه، ومرجع أساسي لأي باحث. وقد نجح المؤلف في الاستقصاء، والاستقصاء سبيل لنجاح العمل ومتانته، واعتمد على الرواية الشفهية، وهي باب غزير الفوائد في إثراء السير وتوثيق الأخبار.

كذلك من محاسن الكتاب أنه لم يبخس خصوم الملك المؤسس ما لهم من محامد وخصائص، وهذا إنصاف للآخرين حتى لو فنيت أيامهم، وبليت دولهم. وهذا إجلال لصاحب السيرة الذي لن يقارع إلّا عظماء أفذاذ مثله أو يقتربون منه، وبالظهور عليهم تأكدت للقاصي والداني منزلته الرفيعة. مع هذا كله؛ فلا يسلم عمل بشري البتة من انتقاد، والكمال البشري ليس عزيزًا بل مفقودًا، والمهم أن يكون النقد في إهاب من العلم والتحري، وسياق من الأدب وحسن الظن، ويبتعد عن التجري والتهوك وشق القلوب، فإن لم يحضر حسن الظن، فلا أعدل من الظن الحيادي، مع الحذر من التعلّق بمقولة سيّارة مفادها أن سوء الظن فطنة، فما في السوء خير، والسوء ليس معناه التيقظ وإعمال الحذر.

كما نرى من مزايا الكتاب أن المؤلف المجتهد لم يكتف بالرجوع لصاحب السيرة ولمن حوله، ولم يقف عند آراء الآخرين من لجان ومسؤولين، بل سأل بنفسه الشيخ محمد بن مانع الذي راجع الكتاب وصحح لمؤلفه بعض مضمونه، وأفاد عطار من البلداني الشيخ محمد بن بليهد في تحديد بعض المواضع والأماكن، فاستقام بناء الكتاب على سنن علمي، ومنهج قويم، والكمال مهما أخلص المرء وحدب، غاية مرجوة منشودة، لكنها لن تُبلغ.

ثمّ إن من المزايا ما أفاض فيه د.العسكر في تقديمه العلمي للكتاب، وبعضها سلفت الإشارة إليه، ومنها حرص المؤلف على فهم فكرة الدولة السعودية، وعميق ارتباطها بأصولها ومكامن عراقتها، وتبنيه للنظرة الإسلامية في الشرح والتحليل، ولا غرو فملكته جيدة في استلهام العبر، وتفكيك الأحداث، دون الاتكاء على ما توصل إليه الآخرون مهما سمت أقدارهم، وزادت ألقابهم. يضاف لذلك أن صياغة الكتاب جاءت بأسلوب عربي مشرقة لغته، عذبة تراكيبه، متناسقة جمله، ولا عجب فالمؤلف هو العطار اللغوي الأديب، الذي يتصل بكتب اللغة دون واسطة، ويمتح من مصادر الأدب بلا عناء.

إن هذا الكتاب الضخم بما يحويه من نصوص وصور، جدير بأن يعاد لمكانه في المكتبة السعودية؛ ولذا اقترح د.العسكر أن يختصر كما صنع الزركلي في كتابه “شبه الجزيرة العربية في عهد الملك عبدالعزيز” حينما اختصره بنفسه في مجلد واحد أسماه “الوجيز في سيرة الملك عبدالعزيز”، واختصار الكتب الطويلة من مؤلفيها أو من غيرها سنة تأليفية قديمة متجددة، وما أحرى مؤسساتنا التاريخية أن تسارع إلى تنفيذ هذه الفكرة ومثلها.

ahmalassaf@

الرياض- الخميس 05 من شهرِ ربيع الأول عام 1447

28 من شهر أغسطس عام 2025م

Please follow and like us:

2 Comments

  1. اقرأ هذه المقالة البديعة التي تُطرز بخيوط من ذهب، لايفوت عليّ من مدونتك منها ولا سطراً واحدًا ناهيك عن مقالة صقرّية مُحلقة في أفق العالم عن رمزا من رموز العراقة التأريخية الأصيلة مثل الملك عبدالعزيز طيب الله ثراه، لكنك أثقلت علينا أستاذنا الأديب / أحمد العساف فكلما خط قلمك عن مراجعة لكتاب، فردت جناحي محلقا للبحث عنه، فكيف بكتاب موسوعي تأريخي عن قائد له مآثر تتوارث حكاياته للأجيال..
    كل الشكر لقلمك وسلم بنانك..
    استمتع في قراءة هذه المقالة من أمام امواج البحرين العريقة ..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

X (Twitter)