ما أجمل الحب، بيد أن الأدب منه أجمل! لكن الأدب على جماله يستأخر إذا حضر الوفاء، والوفاء على جلاله يتطامن لفضيلة العودة إلى الحق، إلى الجذور، إلى المنابع. هذه الكرائم الأربع اجتمعت في كتاب واحد يصح أن نصفه بأنه سيرة روائية، أو رواية سيرية، أو قصة طويلة تحكي الواقع بلا خيال. هي رواية نفضت فيه بطلتها عن نفسها بشجاعة نادرة غربة الروح، فارتوت نفسها بالفطرة النقية، ويا لعذوبة الفطرة، وهدوء نفس صاحبها، وعظيم تصالحه وسكونه. هي سيرة فيها القلب حضر، والعقل لم يغب، والنفس سمت، والروح سبحت نحو الملكوت الأعلى!
هذه القصة الجذابة وردت في كتاب عنوانه: عائدة إلى الشرق، تأليف: عبدالرحمن بن أحمد الجعفري. صدرت الطبعة الأولى من هذا الكتاب عام (1447=2025م)، عن مركز الأدب العربي للنشر والتوزيع، وعدد صفحاته(263) صفحة من القطع المتوسط، تتكون من الإهداء ثم ثمانية وثلاثين عنوانًا. رسم الغلاف الأمامي الفنان عمر البدور الذي أبدع بريشته في وصف النص الراقي المنثور الذي كتبه معالي الدكتور الجعفري، وهو الذي سبق أن أصدر عدة كتب، وسيرة ذاتية ينبغي لقارئ هذه الرواية أن يعود إليها!

تسرد لنا هذه الرواية أكثر من سيرة، ففيها سيرة الفطرة التي تنبعث صافية من بين ركام الانحراف عنها في المحيط المجاور فما وراءه. فيها سيرة الجدية في العمل والدراسة والحياة. فيها سيرة الحب النقي الذي يخلو من خبث مبيت، أو مكر محتمل، وما أندره. وفيها سيرة التربية البيتية لطرفي الرواية، وشيء من خبر الصداقة، والتوفيق والخيرة، وحسن العهد. كذلك فيها وصف لمجتمعين ومجتمعات داخل كل مجتمع. وفيها سيرة الوفاء والتصابر المشترك، وفيها -وهو من اعظم ما فيها- سيرة الثبات على المبدأ، والإصرار على تتبع النور والطريق المؤدي إليه.
يتناول هذا الكتاب بالرواية وبعض التحليل حكاية شاب عربي طموح جاء إلى الدراسة بأمريكا، وكادت أن تنحرف بمجراه ومستقبله بعض حماسات الشباب لولا أن الله لطف بخفض الدرجات، مما جعل “ناصرًا” في حال اضطرار إلى الابتعاد والانعزال عن محيطه العربي المفرط اهتمامه بقضايا أكبر منه، وكان هذا البعد خيرًا له؛ إذ استعاد ثقته بقدراته الدراسية، وارتفعت حصيلته العلمية واللغوية، ثم ساقه القدر إلى حيث “ليزا”، وأي شيء نفيس هي “ليزا”!

أما “ليزا” فهي فتاة أمريكية، من أصول لبنانية، هاجر أجدادها إلى أمريكا، لكن سيرة “البلاد القديمة” ظلت متوارثة دائرة على الألسن لدى العائلة والأسرة والبيئة العربية المهاجرة. لم تجد “ليزا” نفسها ولا روحها في هذا المجتمع الغربي المنفتح، وظلت مع أسرتها متمسكين ببعض العوائد العربية، وإن خالفت بيتها في الامتناع عن الذهاب للكنيسة، ومحبة الشمس وصفاء الأجواء. وبعد سنوات من الدراسة اضطرت الفتاة للانقطاع عن الجامعة من أجل العمل، بعد وفاة والدها. إن رحيل الأب يأخذ معه كثيرًا من مباهج الحياة، ويبقى وجه الأب في وعي أولاده وجهًا لا يغيب وإن تطاولت الأيام…
وعليه فالكتاب يروي لنا رحلة حبيبين امتزجا في مشاعر واحدة وقصة حياة واحدة. رحلة كانت طويلة وصلت إلى خمس وخمسين سنة وثمانية وثلاثين يومًا. رحلة صارت ما أقصرها حينما لفظت “ليزا” آخر أنفاسها مختارة أن تدفن في المكان الذي سيكون مثوى الحبيب ومقره البرزخي -بعد عمر طويل على طاعة وعافية-. هي رحلة لم تكن بدايتها الحقيقية حينما ولدت هذه الطفلة في الحادي عشر من سبتمبر عام (1941م)، بل تبدأ عندما غدت الشابة في ربيع عام (1967م) زوجًا لمن كانت تتمنى مثله، ممن يخالف مجتمعها الحالي، ويرتبط بأصولها ومنابتها، لقد كانت أمشاجها تحن إلى دماء قومها وإن تباعدت الديار.
فمن تقدير “ليزا” لمعاني الأسرة والبيت أنها درست في الجامعة الاقتصاد المنزلي مع أنها تحب الرياضيات، ووالدها يرغب منها أن تدرس الطب. ومن تقدير “ليزا” للشراكة الزوجية أن سخرت حياتها وحبها من أجل زوجها وأبنائها فيما بعد، ثم واصلت العطاء للأحفاد وأطراف أخرى من الأسرة بلا تململ، ولا شكوى، ولا مقارنة، ولا تذمر، وساندت زوجها في خطواته كافة حتى بلغ المراتب العالية، وهكذا تفعل المرأة العظيمة، والزوجة التي تبحث عن الاستقرار والتأثير النافع. هكذا اقتدت “ليزا” بأمها السيدة الأولى رضي الله عنها.

ومن كمالات “ليزا” وحكمتها وتوفيق الرحمن لها، أنها كسبت قلوب من دخلت عليهم قادمة من بلاد بعيدة غريبة، حتى صارت أختًا كبرى لأخوات ناصر الست، وأنزلت نفسها منزلة الابنة لأبويه، وأصبحت فردًا من الأسرة في المناسبات والعوائد حتى في الطبخ. ليس هذا فقط، بل صنعت الفرحة والبسمة أينما حلّت، وأبهجت قلوب الأطفال بما يحبونه. إن التقارب بلطف مع الصغار يربيهم، وينضجهم، ويعطي لمن تقرب إليهم عمرًا إضافيًا؛ فهو الراحل وهم الباقون.
ومن أجلّ ما صنعته “ليزا”، عزمها الذي صدقه العمل، على ألّا تطأ أقدامها بلاد زوجها إلّا وهي منقبة لا محجبة فقط، وإذا قيل لها: يسعك غير ذلك، أجابت بأن خيارها هو الأفضل دينيًا، والأنسب للمجتمع، وهو ما تمسكت به حتى وهي عجوز تلامس الثمانين؛ إذ تقول لمن يمازحها طالبًا منها كشف الوجه: لا أريد أن يرى الرجال الأجانب وجهي! هو درس بليغ في تصوّن المرأة، وحيائها، وسموها عن أن تكون مسترخصة أو مشاعة. هو رسالة للمسلمة أن تكون أحفظ لنفسها من العيون السارقة، والشهوات المارقة، والخطوات الحارقة.
عاش الزوجان طيلة ترافقهما العشق والمحبة والتعاذر والتفاني والإخلاص، لكن شاء الله أن يتسلل المرض أكثر من مرة إلى جسم “ليزا” مع بقاء الصحة والعافية في قلبها وعقلها وروحها. وبعد مصابرة وشفاء عاودها أشد المرض، في البنكرياس، فعجل بذبولها ورحيلها. وقد تبع زوجها مسارها إلى غرفة العمليات كطفل غرير يلاحق أمه الرؤوم، ووقف الزوج المكلوم على سرير مرضها وفرشه البيض، وعند جدثها وركام ترابه، وفي بيتها ومواضع الذكرى منه وما أكثرها، وقف وقوف المتأمل المخاطب لحبيبة قد تسمعه وقد لا تسمعه، بيد أنه يعلن لها المحبة، وعنها الرضى، وإلى لقياه الشوق والانتظار. لقد سطر لها المراثي النثرية بما حكاه وكتبه، وما أصدق مراثي الأزواج لحبيبة مغادرة.
يكشف لنا هذا الكتاب الأخاذ عن قيمة البيت والتربية والحياة المستقرة، ويكشف لنا أن علوم المرأة وتساميها لا يحصل من مجرد كونها كاشفة ناشرة حاسرة، فالأمر أعظم، والمطلوب أسمى من مظهر لا يسانده مخبر. هو كتاب يأمن الأب المربي والأم المربية حين يقترحانه على شاب طرير، أو على فتاة مخدّرة غافلة، هو نص كتب بعفاف، وحياء، هو سرد جميل يأسر العاطفة، ويقنع العقل، ويمتع الذائقة.
لقد قدمت “ليزا” إلى الدنيا وهي تبتسم مما لفت نظر القابلات. لقد رحلت “ليزا” عن الدنيا وهي تبتسم مما سر أسرتها وهم شهود على لحظة رحيلها، ومنهم شهود على ساعة غسلها وتكفينها. وبين البسمتين أمضت عمرها وهي مبتسمة وإن دهمتها خطوب الدنيا وكبدها ونكدها. لقد انتهت أيام “ليزا” -رحمها الله- في الدنيا بيد أن ثمارها باقية، وآثارها شاهدة، وخصالها مروية، وحكايتها بهذا الكتاب غدت خالدة مشهودة، نأخذ منها أكثر من عبرة وعبرة، في الحب، والأدب، والتربية، والعزيمة، والوفاء، وفي التشبث بالأصول ومكامن العراقة؛ فلقد كانت “ليزا” في محياها ومماتها كمن يقول: أنا أزيل الغشاوة عن العيون لتظهر الحقيقة المتسقة مع الفطرة التي فطر الله الناس عليها، ولا تبديل لكلمات الله.
الرياض- الأربعاء 04 من شهرِ ربيع الأول عام 1447
27 من شهر أغسطس عام 2025م
4 Comments
الاستاذ الأديب احمد العساف
تقريظك لكتاب اباخالد عرفني على انسان مثقف ملتزم نحمد الله أن اطلعنا على بعض إنتاجه المفيد
سلم يراعك
الأستاذ السيد الهاشم
شكرا لكم والله يرعاكم ومرحبا بكم
مقال عميق في معانيه ..
وراقٍ في لغته ..
ترك في النفس أثرًا عميقًا عن الوفاء ..
والعودة إلى الجذور ..
وذكرنا بالقيم النبيلة التي وهبها الله للإنسان ..
جزاك الله خيرًا أستاذ أحمد على هذا الأسلوب الجميل ..
والكلمات الصادقة .
شكرا لكم. قصة الكتاب مؤثرة جدا