إدارة وتربية سياسة واقتصاد عرض كتاب

الخيال الممكن!

الخيال الممكن ليس مجرد عنوان لكتاب مطبوع. الخيال الممكن ليس تجربة شخصية أو مؤسسية أو مجتمعية وحسب. الخيال الممكن ليس فقط نموذج عمل إداري رسمي غير معهود. الخيال الممكن ليس منجزات تنطق دون استنطاق، وتبرز للعيان محليًا ودوليًا بلا كبير عناء في البحث عنها. إن الخيال الممكن هو ذلك كله وأزيد، ويضاف له أن هذا العنوان المختصر المعبر هو كلمة ملكية، تعبر عن طريقة سلمانية في التصور والإدارة والتنفيذ، وهو كذلك همة أميرية وشعبية ورسمية تآزرت حتى كان ما كان؛ والذي كان هو غير الممكن للناظر دون تفاؤل، وبغير استشراف، وبلا تريث، لكنه غدا الواقع القائم المشاهد مصداقًا لوصفه من لدن خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان -حفظه الله- بأنه الخيال الممكن!

أقول ذلك بعد قراءة كتاب ضخم عنوانه: الخيال الممكن، تأليف: سلطان بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود. صدرت الطبعة الرابعة من هذا الكتاب عام (1439)، ويقع في (517) صفحة، ويتكون من تنويه وإهداء يعقبهما “لماذا” التي شرحت العنوان وقصة الكتاب، ثم المقدمة فالتمهيد الذي يتلوه أربعة أبواب، في كل باب عدة فصول، وأخيرًا الخاتمة، والمراجع والمصادر التي بلغت أربعين مرجعًا، ويعقبها أرشيف الصور التي شغلت مئة صفحة من هذا الكتاب، وهذه المئوية دليل على التوثيق الدقيق، والاستشهاد بالصور التي تصف الحال. ومن اللطيف أن آخر صورة هي صورة الغلاف الأمامي ذاتها، الملتقطة في مهرجان الورد بالطائف في شهر رجب عام 1438 = إبريل 2017م، وقد زاره مليونا إنسان، وعلى الغلاف الخلفي نبذة مختصرة عن المؤلف الذي صنع هذا الخيال الممكن!

هذا الكتاب ألفه طيار ذو عناية لافتة بعلوم التاريخ والاجتماع، وأمير درج في محاضن التربية البيتية المسؤولة بين ملوك وأمراء وأميرات ومعهم، وهو أول رائد فضاء سعودي وعربي ومسلم، ومع شغفه بالتحليق والطيران، إلّا أن الآفاق العالية لم تقطعه عن الأرض وما عليها، فمنح جزءًا من الاهتمام الكبير للتراث، والعمران، والعمل الخيري، والسياحة المحلية، حتى غدا أول مرشد سياحي سعودي مسجل رسميًا، وفتح الباب بذلك على مصراعيه لغيره، ولك أن تتصور اجتماع ريادة الفضاء الأولى مع الإرشاد السياحي الأول في تكوين إطار الخيال الممكن!

 يتحدث الباب الأول عن التأسيس والبناء المؤسسي، وفيه ثمانية فصول. من إلماحات هذا الباب أهمية قبول التحدي، وإقرار الأنظمة واللوائح مبكرًا، وتكوين الثقافة الخاصة المرتكزة على المبادئ، وإشاعة حس المسؤولية فكل منتسب للهيئة هو مسؤول لا موظف، وبعد ترسيخ هذه المفاهيم يمكن الانطلاق إلى صناعة الإستراتيجية، وبناء الخطط والأهداف. وفي هذا الباب إشادة كبرى بالأمير سلطان بن عبدالعزيز -رحمه الله- الذي وقف مع مبدأ السياحة وتأسيس هيئتها وترأس أول مجلس إدارة لها، ومنحها من وقته ومساندته ورأيه ما جعلها تخطو بحكمة منتجة، تراعي الجذور والأصول، ولا تأنف من التجديد المنضبط، وارتياد الفرص المتاحة؛ فالتجديد واقتناص الفرص هما جناحا الخيال الممكن!

ثم يأخذنا المؤلف صاحب السمو الملكي الأمير سلطان بن سلمان معه إلى الباب الثاني عن التحولات الفكرية وصياغة الشراكات، والعنوان واضح جدًا؛ فالهيئة الجديدة قد تواجه توجسًا مجتمعيًا خوفًا على تقاليد الناس والمجتمع، كما يحتمل أن تجد صدودًا من أجهزة حكومية تخشى أن تنتزع الهيئة الوليدة شيئًا من اختصاصها. إن طمأنة الفريقين مهمة شاقة؛ بيد أن الهيئة وأمينها الأمير نجحوا في هذه المهمة، وأدل شيء على ذلك تلكم الشراكات المعقودة معها من قبل الحكومة والقطاع الخاص حتى اشتهرت قهوة الهيئة بجودتها، وذلكم التعاون الكبير من المواطنين لتشجيع السياحة وحماية التراث والحفاظ على المواقع ونمط العمران، وما تلاه من مدّ الجسور الدولية التي ما كان لها أن تصمد لولا متانة شراكات الداخل. وقد أثنى الأمير الأمين والرئيس المكين على تعاون المسؤولين في العاصمة والمناطق، ولم يحتجن الإنجاز لنفسه؛ إذ ما فتأ يكرر أن العمل تشاركي جماعي، ولكل فرد إسهام في تشييد صرح الخيال الممكن!

أما ثالث الأبواب فيصف بشفافية التحديات والحلول، وهي تحديات أوجدتها خطوط تماس مجتمعية ورسمية، وتوجسات استثمارية، وحسابات إدارية ومالية وتنظيمية، لكن هذه “التحديات” أصبحت من دوافع حاثة على المزيد من التفكير، والمزيد من العمل، والمزيد المزيد من اللقاءات والعلاقات التي ذللت الصعاب، وأحالت المخاوف إلى قاع صفصف بنت عليه هيئة السياحة والآثار والتراث أمجادًا وطنية محفوظة، وصب هذا كله -ياسادة- في منظومة الخيال الممكن!

هذه الأمجاد تبدت بكامل حسنها الأخاذ في الباب الرابع بعنوان القطاف والمكتسبات، وفيه سرد ماتع لتجارب عملية في التطوير السياحي شملت مواقع في أنحاء المملكة كافة، وفيه أيضًا البرامج الوطنية الخاصة بتنمية السياحة والتراث الحضاري الوطني، وما صنعته الهيئة من وظائف دائمة وموسمية، وصولًا لبرنامج خادم الحرمين الشريفين للعناية بتراثنا الحضاري الذي يضاهي التراث العالمي؛ بل عليه يتفوق. إن بلادنا لثرية بكل ما يجعلها غاية المنى لقارات العالم قاطبة من نواح دينية، واقتصادية، وتراثية، وثقافية، وسياسية، ورياضية، ولا غرو فذلك جزء من الخيال الممكن!

وقد كتب الأمير المؤلف في أثناء رواية هذه التجربة الإدارية شيئًا يسيرًا عن قصة حياته الشخصية، والمؤثرات على تكوينه الأول، وشيئًا من تفضيلاته، وخياراته الثقافية، ورحلاته، وقراءاته، وحواراته، وآرائه، ومبادئه الحياتية الحاكمة على قراراته ونهجه العملي. هذه النبذ المتناثرة ضمن النص تغري بأن نطلب كتابة سيرة ذاتية خالصة، يتعانق فيها البيت مع العمل، ويتداخل الفضاء وآفاق الطيران مع العمران والتراث والتاريخ، وهذا المطلب مهم تحقيقه من أبناء الأسرة الملكية حتى تكثر في مكتبتنا السعودية سير الأمراء وتجاربهم. أثق بأن هذه الأمنية قسم أصيل من الخيال الممكن!

ahmalassaf@

الرياض- ليلة الخميس 06 من شهرِ صفر عام 1447

31 من شهر يوليو عام 2025م

Please follow and like us:

4 Comments

  1. ما شاء الله تبارك الله *** حقيقة مقالة تستحق التأمل للاستفادة *** إذ أن ليس هناك خيال ممكنا *** قبل معرفة ودراسة فكرة الخيال نفسه وتحدياته *** ومدى الصعوبات التي تواجهها *** وطرق التغلب عليها *** بعد ذلك تبدأ الانطلاقة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

X (Twitter)