الحمدلله الذي أكمل لنا الدين، وأتم علينا النعمة، ورضي لنا الإسلام دينًا. من علامة ذلكم الفضل الرباني شمول علوم الشريعة لكل شيء على الإجمال والتفصيل، وحكمها على شتى الموضوعات إما حكمًا مباشرًا، أو بناء على القواعد والمقاصد والأحكام العامة؛ فلو شاء باحث أن يدرس طرفًا من أحكام الذكاء الاصطناعي أو غيره من المستحدثات لأسعفته النصوص والقواعد، وأنجده القياس والاجتهاد ورعاية المصالح، وافاده علم السياسة الشرعية.
حقًا، إن الشريعة الإسلامية بما فيها من علوم الفقه والأصول والقواعد علم سيادي حاكم على غيره، ولا يمكن بحال إقصاء هذا العلم وتطبيقاته عن حياة المسلمين في خاصة شؤونهم، وفي المجال العام الشعبي والرسمي، ولذلك فمن الحكمة أن تحرص المؤسسات التعليمية على الارتقاء بمعاهد الشريعة وكلياتها في المناهج والأساتذة، وعلى انتقاء أذكياء الطلبة ليكونوا من ضمن الدارسين، وعلى إتاحة الفرصة للطلبة كي تتسع مداركهم، وتبعد آفاق النظر لديهم.
أقول ذلك وبين يدي كتاب حافل عنوانه: الطفل في الشريعة الإسلامية تنشأته. حياته. حقوقه التي كفلها الإسلام، تأليف الدكتور محمد بن أحمد الصالح، وهذه هي الطبعة الثانية الصادرة عام (1403) وتقع في (529) صفحة. يتكون الكتاب من مقدمة، وأحد عشر فصلًا، وثلاثة ملاحق، ثم فهرس للآيات، وفهرس للأحاديث والآثار، وفهرس للأعلام، ومصادر الكتاب التي تجاوزت مئة كتاب في فنون علمية شتى.
ذكر المؤلف الشيخ أ.د. محمد بن أحمد الصالح الغاية من تأليف هذا الكتاب الذي حوى تقريبًا للأحكام الشرعية الخاصة بالطفل والطفولة، وعرج على فوائد تربوية ونفسية وتعليمية ومجتمعية. وابتدأ الفصل الأول بمقدمات أساسية عن الطفولة والأسرة، ثم شرع الفصل الثاني في بيان عناية الإسلام بالجنين، وهي العناية التي تفتقدها نظم وحضارات؛ فمن عناية الإسلام بالجنين إكرامه، وحفظ حقوقه المادية والمعنوية، وتقرير أحكام وآداب تمنع مجئ الجنين من طرق مجهولة، وهذا ما لا تفقهه بعض الثقافات وإن ادعت الحضارة والتمدن.
أما الفصل الثالث فهو عن حق الطفل بعد الولادة، وهي حقوق متنوعة حتى في نظافة جسده ومطعمه، وبحث رابع الفصول موضوع الحضانة وهو موضوع مهم يرتبط بنزاع الأبوين أو بالطلاق أو اليتم أو فقد الأهلية للحضانة التي هي واجب على طرف وحق لآخر. ودرس الفصل الخامس نمو الطفل وخصائصه وثمرته، ومن الضرورة الإشارة إلى أن علم النفس يعتني بهذه المسألة، ويطلق عليها علم نفس النمو، لكن العالم المسلم د.عمر المفدى اختار لها مسمى “علم نفس المراحل العمرية”، وبه أصدر كتابًا ضخمًا؛ فالإنسان ليس دومًا في حال نمو إذ يدركه النقص مع الكبر.
ولأن الواقع له حكمه، ولا مناص من التفاعل معه، فقد جاء الفصل السادس عن أحكام اللقيط، وفيها حقوقه وما يرتبط به من أحكام في النسب والإثبات والميراث، ثم التفت الفصل السابع إلى عناية الشريعة باليتيم وما يجب له ومتى يرشد ومتى يزوج. واختص الفصل الثامن بجانب مهم هو حق الطفل في النفقة، وهذه النفقة واجبة بالإجماع ولا مناص من تحملها دون تملص، وهذا من تعظيم ديننا لهذه المرحلة، ورعاية الأطفال لضعفهم وعجزهم عن المطالبة بما لهم.
كما نظر الفصل التاسع إلى مسألة مؤثرة هي التسوية بين الأولاد وما يتعلق بها من فقه، وكيف تكون التسوية، وذهب الفصل العاشر إلى تربية الصغار وتعليمهم، وكان التعليم موضوعًا مفردًا في الفصل الحادي عشر والأخير. وبعده أضاف المؤلف الشيخ الصالح الملحق الأول عن عناية الدولة باللقيط والأطفال المحتاجين للرعاية، و الملحق الثاني عن حقوق الوالدين والأقارب، وهو حق يجب على من كانوا أطفالًا. والملحق الثالث عرض موجز للتعريف بكتاب جامع بيان العلم وفضله للعلامة ابن عبد البر. وأخيرًا اجتهد المؤلف بوضع فهارس عدة، والفهارس والكشافات مما يعين القارئ، ويدله على مبتغاه بسرعة، ويبين عن قيمة الكتاب ومضمونه.
إن هذا الكتاب ليجلّي للقارئ سمو ديننا الحنيف الرباني، ويؤكد على كماله وجماله، وهي أوصاف تستحق منا الشكر والفرح، وتوجب علينا الاستمساك والإتباع. كما يكشف لنا هذا الكتاب من باب المقابلة والمقارنة عن انحدار حضارة الغرب، ومناقضتها للفطرة والصواب والعدل، وهو انحدار بلغ إلى قعره السحيق بصمت العالم القوي عما يرتكب من جرائم يهودية على أرض فلسطين بحق الطفولة، والمرأة، وكبار السن، وعامة جنس الإنسان.
حقًا: إن شيخنا الأستاذ الدكتور محمد بن أحمد الصالح -شفاه الله وعافاه- من أذكياء الطلبة الذين درسوا علوم الشريعة ثم درسوها وألفوا فيها وكتبوا العشرات من الكتب والأبحاث؛ ولذا اصطفاه مجمع البحوث الإسلامية في الأزهر لعضويته التي لم يسبقه إليها سعودي قط. وهو ولا أزكيه على الله من أزكياء الشرعيين بحبه لدينه وللصالحين، ونشره للعلم والفضيلة وأهلهما. إن الحق أحق أن يتبع، وإن علم الشريعة الإسلامية علم أساسي، علم سامٍ رفيع، علم سيادي يعلو ولا يُعلى عليه.
الرياض- الجمعة 30 من المحرم عام 1447
25 من شهر يوليو عام 2025م
2 Comments
شكرا جزيلا لكم دكتور
ولكم د.أمينة