تسبيح الملك القدوس، وتسبيح الله بحمده، من أعظم العبادات، وأكثرها في جلب الراحة للنفس وبلوغ منزلة الاطمئنان. هي عبادة يسيرة، والموفق من جرى بها لسانه على كل حال قدر الوسع، مع غيرها من أذكار الصباح والمساء، وأذكار النوم، وأذكار الأحوال بحسبها. هذه العبادة مخدومة بكتب مختصرة، وتطبيقات متجددة، وملصقات، ومواقع، وحسابات، ووسائل تذكير، ولا حجة لأحد بالتخلّف عنها، والله يعيذنا من الشيطان الرجيم وإرجافه وتخذيله.
ومما يعين على ذلك، حمل سبحة في الجيب؛ لأنها تضبط العدد، وتذكر الناسي. هذه السبحة تطورت عبر التاريخ إلى أن استقرت الآن على صورتين هما الأشهر، الأولى: السبحة اليدوية وعنها جلّ هذا المقال، وأكثر مستخدميها من الرجال، والثانية السبحة الإلكترونية، وغالب النساء يستعملنها، وما أحرانا بترطيب الألسن بذكر ربنا الرحمن. هذا الحصر لا يعني التوقف؛ فرحم المستقبل مستودع لكل جديد وعجيب ومستبعد، ويخلق ما لا تعلمون.
يوجد عدة كتب قديمة وحديثة عن السبحة، اطلعت منها على ما يلي -باختلاف نوع الاطلاع-:
- “السبحة تاريخها وحكمها” للشيخ د.بكر أبو زيد، وقد ضم الشيخ هذا الكتاب المختصر ضمن كتابه الضخم الجدير بالقراءة بعنوان: “تصحيح الدعاء”، وكلاهما صادر عن دار العاصمة، وخلاصة رأي الشيخ المنع من الاستخدام.
- “الملحة في أحكام السبحة” للشيخ فهد بن يحيى العماري، صادر عن وقف خدمة العلم وطلابه، وخلاصة رأي الشيخ ونقولاته الإباحة مع مراعاة بعض الضوابط.
- “الحياة في مسباح” للأستاذ خالد بن محمد العمار الدوسري، صدرت الطبعة الثانية منه عن شركة الوراقون في البحرين، والكتاب يحتوي على صور جميلة، وتفصيلات في فن الصناعة والاستخدام، مع تاريخ المسباح وأنواع مواده وأحجامه وألوانه، وهو مكتوب بلغتين، بحجم كبير، وطباعة أنيقة.
الذي يعنيني من هذا الأمر، ليس البحث الفقهي فلست من أهله، ولا الغوص في تاريخ السبحة وتقاليدها وأصنافها فلا وقت يكفي، وإنما استرجاع بعض الذكريات اللطيفة مع السبحة، التي تناسب موسم العيد وما فيه من بهجة وفرح. وللعلم؛ فإن السبحة فاتنة لبعض الناس لدرجة الاستيلاء على التفكير والاهتمام، وهذا الاهتمام لابأس به ما لم يقض على ما هو أولى وأليق، وما أحسنه إذا أفضى إلى تخصص في بيع وتجارة وصناعة، والله خير الرازقين.
فمن ذكرياتي مع السبحة، أن ابني عبدالمحسن -حفظه الله وسلمه- اشترى لي سبحة صفراء اللون صفرة فاقعة، وأنا أحب اللون الأصفر، دون أن يكون لهذه المحبة تحيز رياضي، ودون أن يصدق عليّ بعض ما يقال عن محبي هذا اللون! وهي من نوع جميل، وحجم رائع، وصوت أخاذ، وكم سعدت بها، إلى أن قدمت برنامجًا تدريبيًا لموظفي إحدى الوزارات في قاعة هي الأهم عندهم، ومدة البرنامج ثمانية أسابيع متوالية؛ وفي أحدها فقدت السبحة إلى يومكم، ومن حبها أن رأيتها في المنام، وهي حديث نفس ولا ريب.
كذلك مما أذكره مع السبحة أني حضرت اجتماعًا قبل عقدين مع رجل أعمال كبير جدًا، وهو ملياري تبارك الله، ورزقنا وإياكم. كان في يده سبحة يقلّبها، وفجأة قال لنا: سبحتي هذه بخمس ريالات، وأنا لا أشتري سبحة بأكثر من ثلاثة أضعاف هذا الرقم ؛لكثرة ضياعها، أو أخذها من قبل الآخرين! وأضاف: يعتقد البعض أن سبحتي ثمينة قياسًا على وضعي، وقد لا يصدقون رخص ثمنها إلّا إذا شاهدوني اشتريها بثمن زهيد، علمًا أن هذا الثري ليس بخيلًا على نفسه، ولا في صنائع المعروف.
وبما أننا في دائرة الأثرياء؛ فمرة كنت عند ثري كبير آخر، ومعه سبحة بلون غير شائع يلعب بها، ومن الطبيعي أن يلفت لونها النظر. فقال لي: خذ هذه السبحة هدية! فقبلت على كره مني؛ فلونها لم يعجبني، وخشيت أن نظري لها أوقع في نفسه رغبتي بها، ولغير ذلك من أسباب. وعندما خرجت من عنده قابلت رجلًا يزعم خبرته في “السبحة” -وما أكثر هذا الزعم في السبحة وغيرها-، فجزم أن سعرها يقع بين الألف والألفين، ولم أوافق على رأيه؛ لأنها لو كانت كذلك فلن تمتد يد الرجل بها لا بسهولة ولا بصعوبة! وفعلًا مررنا على عدة محلات للسباح في الرياض ومكة، وأخبرنا كل واحد من الباعة بأن سعرها لا يتجاوز عشرين ريالًا! وسقطت خبرة صاحبنا، وصدق حدسي مع أن الثري صاحب السبحة سخي على نفسه، ولا يبخل عليها بشيء مفيد أو حتى تافه!
يقودنا غلاء السبحة إلى ذكر واقعتين. الأولى: حدثت لي حين غادرت عملًا توليته مؤقتًا، ونظمته بعد أن تعرض لخلل، فأهداني زميل عزيز سبحة ثمينة في قيمتها، جميلة في لونها وشكلها ومادتها، ومناسبة في عدد حباتها، وقد ارتحت معها كثيرًا، إلى أن خطفها من يدي أحدهم وولّى دون أن أراه سنوات عددًا. وفي الواقعة الثانية عزاء لي، إذ ذهب شقيقان من أثرياء الكويت لمقابلة رئيس وزراء دولة عربية، طالبين منه تسهيل بعض الإجراءات على مواطنيهم بعد الغزو الآثم.
كان مع أحد الشقيقين سبحة فاخرة، صُنع منها سبحتان فقط بناء على طلبه ومواصفاته، واحدة معه، والثانية أهداها لصديقه من أمراء الأسرة الملكية السعودية. ويبدو أن “دولة الرئيس” لمح هذه النفاسة؛ فخطف السبحة من أول اللقاء ولم يرجعها، وحين هما بالمغادرة قال الشقيق الثاني للخاطف الكبير: سبحة شقيقي غالية عليه فليتك تعيدها له، لكن دولته أجاب بكل جرأة: لن أفعل! فقد سمعت من مانع العتيبة -وزير النفط الإماراتي- أن عندكم في الخليج مثلًا يقول: “بوق السباح عمل مباح!”.
إن السبحة لخير معين على الذكر حتى روي عن الجنيد قوله: “طريق وصلت به إلى ربي لا أفارقه”، ورأى أحدهم امرأة متزينة وفي يدها سبحة فتعجب؛ لكنها أجابته بما معناه أنها لا تفرط في حقّ الله حتى مع تقصيرها وتلك حكمة نحتاجها مع كثرة ذنوبنا. وأجزم أن السبحة في يد اليافعين والشباب تزيد من معاني الرجولة والمسؤولية، تمامًا مثل اللباس الرسمي، وهي من سبل التربية والحفاظ على العراقة؛ ولذا يحرص شقيقي الأكبر عبدالعزيز -رعاه الله وسلمه- على موالاة إهداء السبح الثمينة المميزة لنا ولأجيالنا.
ومن المهم الإشارة إلى أن السبحة حاضرة في حضارات وثقافات وأديان، وليس قاصرة على العالم العربي أو عند المسلمين فقط. وقد ابتدأت بقلادة تعلّق على العنق ثم تطورت لما هي عليه الآن، ولها عدة مكونات يتفنن بها صناعها، وتختلف عدد حبيباتها، وحجمها، وتشتهر بعض المناطق بخاصية فيها، ومما ينتشر أن حمل السبحة أو بعض أنواعها سبب للرزق، والله يرزقنا وإياكم بسبحة وبدون، ومن رام المزيد عن فنون السبحة فدونه كتاب العمار السالف ذكره.
ولا تكاد أن تنزل السبحة من يد ملوك وأمراء ومشايخ ووزراء وأثرياء وكتّاب ومفكرون وعامة الناس، حتى أن بعضهم قد يرجع لأخذها إذا نسيها، أو يضع في كل مكان يتردد عليه واحدة، فهي تريح الأعصاب، وتصرف التوتر، وتعين على التفكير، وتيسر الذكر والتسبيح، هذا غير أنها من مكملات الأناقة، ومما يعين وقت الانتظار، وغير ذلك من فوائد للسبحة، ولو أن تكون ذكرى بين المحبين، وهدية للأصحاب ومنهم. ومن أجلّ الذكريات الاحتفاظ بسبحة الأب، وسبحة الأم، وقد أدركت الثانية وفاتت عليّ الأولى، وإن كانت صورتها الجميلة ماثلة أمام ناظري لا تغيب، رحمة الله ورضوانه على الجميع.
الرياض- الجمعة 06 من شهر شوال عام 1446
04 من شهر أبريل عام 2025م