سير وأعلام

الشيخ سعد آل فريان: راحل يستقبله القرآن!

حزنت النفوس حينما نعى الناعي يوم الثلاثاء الماضي الشيخ سعد بن محمد بن سعد آل فريان -رحمه الله- (1352-1448= 1933-2026م) بعد حياة حافلة بصناعة الأثر في أي موقع يحلّ به، ودون نظر للصفة التي يعمل بها إن في الواجهة أم في الخفاء، فهو مشغول بالغاية، غير ملتفت إلى المكان المتقدم أو المتأخر، ولذا كان حضوره مثمرًا تعلوه سيما الجدية والصرامة وبعد النظر، وكان انصرافه بسكينة تخلو من ضجيج الدنيا، وجلبة بني آدم في سبيلها، وهذا درس بليغ في التربية والتزكية، وما أندره.

فهنيئًا للشيخ الذي غادر دنيا الناس وله على كل لسان عرفه أو سمع عنه ثناء عاطر، وأحدوثة طيبة، وهنيئًا للرجل الذي انتهت أيامه ولم تنته أعماله الصالحة، فله من الآثار ما يطيل عمله، ويمنع عنه انقطاع الأجور، فمنها الذرية الصالحة التي يرجى الدعاء له منها ومن نسلهم الأماجد من أحفاد الشيخ وأسباطه، إلى جهود تعليمية في المعاهد، وإعلامية في مجلة الدعوة، وعلمية في هيئة كبار العلماء، وتاج الأعمال ودرتها: العيش مع القرآن الكريم والمصاحف في الطباعة والمراجعة ثم الوقوف الصلب خلف جمعية مكنون لتحفيظ القرآن الكريم قبل أن يغدو على رأسها لمدة ستة عشر عامًا.

تلك الأعوام كانت امتدادًا للعقود التي أمضاها خاله الصالح وخادم القرآن الشيخ عبدالرحمن بن عبدالله آل فريان -رحمه الله- (1344-1424= 1925-2003م) في رعاية مكنون بعد تأسيسها، وفي حسن إدارتها وتوجيهها، حتى استقرت على الأرض الطيبة، مثل شجرة طيبة، أصلها ثابت وفرعها في السماء؛ ولذلك لم ينتظر الشيخ سعد حال تسلّمه أمانة هذه المؤسسة المجتمعية العظيمة، فنهض بها مؤسسيًا وتنظيميًا في شؤونها التعليمية، والإدارية، والنظامية، والمالية، والوقفية، حتى حمل الأمانة بعده آخرون من زملائه أو من جاء بعدهم وفيهم جمع من ثمار “مكنون”، وهم الذين استعانوا بالله فصعدوا بالجمعية إلى موقعها الباسق الحالي، والمنتظر أعلى وأكمل.

وقد كان الشيخ سعد إبان علاقته بالعمل القرآني مواظبًا على الحضور حتى وإن بان عليه أثر التعب وتقدّم العمر، وسعى لتوثيق العلاقة الرسمية لمكنون مع المسؤولين من الأمراء والمشايخ والوزراء ورجال الأعمال والفكر، حتى تزيد الصلة بين الجمعية والمجتمع الرسمي والشعبي، وكانت النتيجة مساندة كبرى للجمعية وعملها القرآني المبارك؛ ذلك أن جهود الشيخ لم تكن شخصية، وإنما لأجل القرآن وحفظته ومعلميه وجمعيته المهمة والقائدة لغيرها في هذا الميدان. ومما يناسب إيراده هنا أن الشيخ سعد كتب بخطه الجميل طلب تأسيس “مكنون” عام 1386=1966م، وهو الكتاب الذي اعتمده الملك فيصل -رحمه الله- بقوله: “على بركة الله”.

ولا عجب أن يتعبّد الشيخ سعد لله بهذا العمل الكبير، فالقرآن الكريم كتاب مبارك يشرح الصدور، ويعظم به الأمن، وما  كثر حفاظه في مكان، أو زاد عدد حلقه ومدارسه ومن يتلوه، إلّا عمت به السكينة، وتعاظمت فيه البركات، وجلبت إليه الخيرات، فالقرآن كتاب يصنع الرضا، والطمأنينة، والفأل، والانشراح، ويعطي للحياة معناها الحقيقي، ويضبط السلوك والمشاعر، هذا غير حسناته المضاعفة في الآخرة، وهذه الحقائق من محركات العمل القرآني لدى الشيخ سعد، وعند من خلفه من إخوانه -أحسبهم كذلك ولا أزكي على الله أحدًا-، وعند كل مسؤول أو ثري يبادر لخدمة الكتاب العزيز وجمعياته.

لقد توفي الشيخ سعد، ونعاه أفاضل الناس وخيارهم، ورثته جمعية مكنون بوفاء لا يستغرب منها، وتقدم نائب أمير الرياض الأمير محمد بن عبدالرحمن بن عبدالعزيز المصلين عليه في جامع الملك خالد عصر يوم الأربعاء، ومعه جمع من العلماء والمسؤولين والحفظة والمحبين، وفي هذه المشاركة الحاشدة أكثر من دلالة، فالشيخ سعد رجل علم ودعوة وتعليم وقرآن، وهؤلاء من أولى الناس بالتجلة والإكرام، والشيخ سعد رجل دولة حافظ على جمعية مجتمعية مهمة غرس بذرتها الأولى الفيصل، وتعاهدها بالرعاية سلمان -حفظه الله-، والشيخ سعد ينتمي لأسرة عريقة من أسر الرياض التي حفظت أمانة العاصمة لهم التقدير بطريق يحمل اسم الأسرة، فاللهم اغفر لعبدك، واجعل كتابك من أسباب أنسه في برزخه، وأمنه حين مبعثه، ومن أسباب ارتفاع درجته في جنانك.

ahmalassaf@

الرياض- الجمعة 22 من شهرِ ربيع الأول عام 1448

04 من شهر سبتمبر عام 2026م

Please follow and like us:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.