ذهول لا يوصف يصيب القارئ في كتب الطبقات والسير حينما يطالع أحوال العلماء الربانيين، والعاملين المخلصين، والعباد المخبتين، والأخفياء الأتقياء. منشأ هذا الذهول أن تلك المقامات عسير بلوغها، نادر وجودها، وصعب الصبر عليها الذي هو جزء من أقسام الصبر، وهي في وقتنا ثقيلة الحمل إلّا على من وفقه الله لها، ليكون من حجج الله على عباده. ليس الذهول استنكارًا لها ،فمعانيها راسخة في الفطرة أو بقاياها، بيد أن تصور الثبات عليها عشرات السنين قد يشق على الأذهان تخيله.
لكن، هاهنا سيرة رجل من أهل عصرنا، كأنه قد اُنتزع من تلكم الأزمان، أو جاءنا من بقية أولئك الرعيل الصالح، أو لعله شاهد على أننا نعيب زماننا، والزمان -والله- بريء من العيب! هي سيرة رجل كان جسده يمشي على الأرض، لكن قلبه يتطلع للسماء ساجدًا تحت العرش. هي سيرة إنسان عاشت نفسه بيننا، بيد أن روحه تاقت إلى الملكوت الأعلى. هي سيرة من شاركنا المكان والزمان، ولم يشاركنا الأحوال والاهتمام، فصار له مضماره المتفرد الذي به سبق، وذلكم -لعمركم- هو الفوز.
هي سيرة شاب نشأ في طاعة الله، ولم تكن له صبوة حسب الشهود، ولم يلتفت يمنة ويسرة، وما أكثر عوامل الجذب واللفت والصرف، وهي مسيرة قلب تعلّق بالمساجد والصلاة والقرآن والسنة حتى صارت نصوصهما الشريفة غالب جوابه واستشهاده كما روي عنه، والله يجعله من السبعة الذين يظلهم الرحمن بظله يوم لا ظلّ إلّا ظله. وهي رواية عن حياة إنسان جعل لياليه كلها -أو جلها- رمضانية بالقيام والتلاوة والذكر، وأيامه كلها -أو جلها- عشرية بالصيام والتنسك وإطعام الطعام، فهو عن الطاعة بأصنافها لا يفتر، ولا يتوانى، ولا يستقلّ شيئًا من صنع المعروف ونيل الأجور ولو م نبقايا طعام، فقد أيقن أن المسير مهما طال فهو قصير، وأن المآل وإن رأته النفس البشرية بعيدًا، فهو للمرء أدنى من شراك النعل.
كما أنها ترجمة لحياة رجل طلب العلم منذ يفاعته المبكرة، والتصق بالعلماء الكبار قدر وسعه مقتبسًا من الهدي مستفيدًا من العلم، ثمّ أطر نفسه أطرًا على العبادة التي ترهق غيره من طول القيام، وكثرة التلاوة، وإدامة الذكر، وعمران الوقت بالنفع، والتعبد بالاحتساب والإصلاح والشفاعة؛ وإنها لخطة رشد لا يقوى عليها العصبة من الرجال. لقد كان مستثمرًا بحكمة من أيقن أن المنافسة أشرف ما تكون على موضع عليٍّ في الجنة، وعلى مقعد صدق عند مليك مقتدر، وما سوى ذلك فسراب زائل على ما فيه من لذاذة لا تنكر، وشهوات للسمع والبصر والنفس؛ بيد أنها مؤقتة.
كذلك هي منهج ناجح في تربية الذات وقصر النفس -الجموح- على الحق والهدى ولزوم الجادة، وهي منهج تربوي للبيت المسلم المحافظ، منهج فيه الاستمتاع بالطيبات من الرزق، واغتنام الكثير مما أحله الله، والاقتصاد مع حسن التدبير والكرم والعطاء، واستجلاب السعادة مع التعليم والتربية دون اقتراف محذور أو فعل محظور أو حتى الاقتراب من شبهة، حتى أنه لاعب أولاده بالمباح، وصنع البهجة لهم بالحيوان والنبات والمفيد من الألعاب. هو منهج إحسان مع العائلة اللصيقة، والأسرة القريبة، والبيئة المحيطة، والمجتمع الأقرب، والبلد المنتمى له، وهو منهج يصف الاستجابة لأمر الله ورسوله بوقاية النفس والأهل نارًا وقودها الناس والحجارة، وبالنصيحة العامة والخاصة، وقليل من يتفطن لذلك في عالم مزدحم بالمفاتن، والله المستعان.
وقد يظن ظان، أن شخصية بهذا الوصف، ربما تكتسي بالجدية المفضية إلى الصلف والغلظة والعبوس، أو بالتضييق على النفس والآل، وليست الطريق هنالك؛ فلقد كان سمح المحيا، بشوش الوجه، لين العريكة، متفاعلًا مع دوائره، خفيض الصوت، مبادرًا لحسن الظن، وتقديم الحسن من القول، والرفق في مسالكه ظاهر، والصدق على سيماه مستعلن، والإخلاص الباطن ظهرت آثاره فجعلت له في القلوب المحبة، والود، والتقدير، والهيبة، حتى لدى من يأمرهم بمعروف أو ينهاهم عن منكر مع أنه لم يؤت بسطة في الجسد تخيف وترهب. لقد كان رجلًا متوازنًا في نفسه ومع محيطه، يعيش لغاية محددة، ويتوجه صوبها، بلا إفراط ولا تفريط، ومع مراعاة المصالح الشرعية، ومقتضيات الأحوال.
هذه المعالم الباسقة، والصفات السامية، يجب أن تبقى وتروى، ولذلك سيجدها القارئ مع دلائلها، في كتاب عنوانه: أنوار القدوة شذرات من سيرة أبي الشيخ فهد بن سليمان القاضي رحمه الله، تأليف نجله عبدالله بن فهد القاضي، وصدرت الطبعة الأولى من هذا الكتاب عام (1446=2024م) عن دار الحضارة، ويقع في (112) صفحة مقسمة على عدة موضوعات، وفي الكتاب طرف من سيرة زكية، وربما يكون الكتاب سببًا في الحصول على مزيد من الروايات التي تخص صاحب الترجمة، رحمه الله وأعلى منازله.
ثمّ إن المؤلف أحسن غاية الإحسان، حينما تتبع سيرة والده الشيخ فهد بن سليمان بن محمد القاضي (1377-1441=1957-2019م)، وتجاوز الوهم الحاجز عن تدوين سيرة الآباء بحجة مراعاة الموضوعية التي قد تطغى عليها العاطفة؛ ولذا شرع يجمع الروايات ممن عرفه وتعامل معه. واستهل هذه المرويات بالاستماع لوالدته السيدة الجليلة الصالحة مضاوي بنت عبدالرحمن القاضي التي كانت لزوجها نعم الصاحبة المنافسة في الخيرات، ونعم الرفيق المعين على الطريق الشاق. ثم ثنى بأخواته وأخيه ونفسه، وساءل من حوله من قرابة وأصدقاء وجيران وطلاب وأشياخ، واستمع لكلمات ثناء وشهادة من معزين كانوا من طلبة الشيخ الراحل أو زملائه أو ممن استعانوا به في دفع نائبة خاصة أو عامة.

وسيكون هذا الكتاب قاعدة جيدة لمن رام تحليل شخصية الشيخ، وكيف يمكن الإفادة التربوية منها إن للذات أو للغير، وربما ينشط المؤلف البار لهذا في طبعة قادمة، مع أن الكتاب لا يخلو من هذه الإشارات في شذراته، ويمكن الاستناد لما ورد في كتب أخرى فيها رسائل ومواعظ للشيخ فهد، جمعها نجله د.عبدالرحمن بن فهد القاضي، وصدرت في أكثر من كتاب.

لقد مضى الشيخ طاهر السيرة، طيب الذكر، وحاز برحيله لسان الصدق، وكثرة الدعاء، وتوالي أعمال البر والقربات له من محبيه وهم كثر كثر، ازدحم بهم جامع الراجحي في عشاء يوم الأربعاء السادس عشر من شهر ربيع الأول عام 1441، وغصت بهم مقبرة النسيم، حتى التقى فيها أصحاب ومعارف لم ير بعضهم بعضًا من سنوات وهم يقطنون في مدينة واحدة. يا لها من سيرة تحفز النفس اللجوج للخير، يا لها من سيرة جمع فيها المؤلف لوالده بين الولد الصالح الذي يدعو له ويجعل الآخرين يدعون له، وبين العلم الذي ينتفع به علمًا وعملًا وقدوة، والله يجعلها أنوارًا تضيء لشيخنا في مثواه البرزخي، وتزيل عنه ظلمة القبر، حتى يخرج منه إلى مبعثه، ولقاء مولاه الذي جعل له صلاته ونسكه وشأنه كله.
الرياض- الاثنين 13 من شهرِ رمضان عام 1447
02 من شهر مارس عام 2026م
2 Comments
جعل الله ماكتبتم ذخرًا لكم ..
في ميزان القبول ..
رحمه الله ..
وأموات المسلمين أجمعين ..
سيرةٌ تُعلّم أن قيمة الإنسان ..
بصفاء سريرته ..
وعلوّ أثره ..
لا بزخرف الحضور ..
ولا بصخب العابر من الأيام .
آمين ولكم الشكر