قراءة وكتابة

كيمياء الكتابة!

لا يخلو فعل الكتابة من الحاجة إلى مادة “مزج” حسب تصاريفها؛ ذلك أن الكتابة بحدّ ذاتها عملية لا تتكون من عنصر واحد فقط، ففيها تفكير وقراءة، وفيها ملاحظة وذكرى، وفيها استشراف واستقصاء، وفيها نقد وإعادة بناء. وعليه فما أحوج الكاتب والكاتبة إلى هذا الفعل في عملهم، وهي حاجة لا تنقطع البتة، وقد تجتمع في أكثر من صورة حسب المقتضى والداعي لها.

فمنها ضرورة وجود “مزاج” يحض على الكتابة، وهذا المزاج ليس حسنًا بالضرورة، فبعض الكتّاب لا يتدفق كتابيًا إلّا مع ثورة غضب، أو نوبة حزن، أو هجوم كآبة، سلّم الله حملة الأقلام منها. هذا المزاج -بالمناسبة- ربما يصح تشبيهه بالملل الذي روي عن عمرو بن العاص -رضي الله عنه- جعله من كواذب الأخلاق، فالمزاج قد يغدو “تكأة” يستند عليها الكاتب، وحيلة تفتح له نافذة نحو الهروب، وهو يماثل طقوس الكتابة التي تعيق من تعلّق، والحل الأسلم للتغلب على الطقوس والمزاج يكمن في الالتزام بوقت محدد للكتابة، أو مقدار يومي معين، أو زمن للإنجاز، ومما يساعد عليه اتخاذ مكان خاص للكتابة، وإن كان الارتباط بمكان يجعله “طقسًا” ملزمًا بغيضًا. وعلى أي حال، فمن ابتلي بالمزاج فعليه إتقان صناعة المزاج الذي يدفعه نحو الكتابة دفعًا.

ومن فنون المزج المطلوبة للكاتب وله أهميته وقيمته، فن “الامتزاج”، وهذا الامتزاج له عدة صور، منها الامتزاج مع المادة ومخالطة النفس وشغاف القلب بها، فالكتابة بشعور ميت يستولد سقطًا من الكلام في الغالب بلا حراك مثير، ولا حياة لافتة. ومن الامتزاج النافع لعملية الكتابة التداخل مع المجتمع والناس؛ فالروائي لن يستطيع رسم الصورة المطلوبة عن مجتمع لم يحط به خبرًا، وكاتب السير سيتفوق لو وضع نفسه موضع المكتوب عنه، وفي زمانه، وسياقاته.

ومن “الامتزاج” أن يحسن الكاتب والكاتب مقادير التمازج بين أكثر من علم وفن؛ على أن يكون الثاني خادمًا للأول، فالفقيه الأديب له نكهة ألذ ممن اكتفى بواحدة وكتب ابن الجوزي وابن القيم دليل شاهد، وعالم الاجتماع المؤرخ سيؤلف ما لا يستغنى عنه مثلما صنع ابن خلدون بمقدمته الخالدة، والفقيه الأصولي سوف يبدع إذا أضاف لمخزونه مادة القانون كما نراه لدى صالح الحصين، والبلداني ستعظم فوائده حينما يغوص في كتب الرحلة واللغة، والجاسر والعبودي مثالان معاصران. إن التشابك الحسن المتوازن بين أكثر من علم وفن مفيد للغاية شريطة أن يكون الأصل منها واضحًا لدى الكاتب قبل غيره، ويكون ما سواه فرع مؤازر له، ومن البدهي أن وجود أكثر من فرع متاح وبركاته أعلى.

ثالث فن ينبثق عن المزج هو “الاستمزاج”، وللاستمزاج صور، منها أن يكتب المرء مادة قصيرة أو مختصرة عما بحثه ودرسه، ثم يقيس تفاعل القراء معها دون ارتهان تام للجمهور. ومن صوره استشارة ذوي الرأي من أهل الصنعة والخبرة، أو ذوي المعرفة وحسن التقدير فيما يشوب الكتابة عنه شيء من التوجس والحذر. ومن الاستمزاج البحث في المنصات عن الموضوع وتأمل وقعه، وتتبع ما صدر عنه أو سوف يصدر. إن الاستمزاج مرحلة مهمة من مراحل ما قبل الكتابة، خاصة في الكتابات المهمة، أو التي يراد العكوف على إصدارها تباعًا، مع التعب في الإعداد لها، وهي ليست شرطًا في كل كتابة؛ فذلك من تحجير الواسع.

كما يناسب الرجوع إلى أصل “المزج” واستخدامه في الكتابة، ومن فروعه مزج الحقيقة بالخيال، والواقع بالرغبة، والجدّ بالهزل مع الحذر من مجاجة الاستظراف. ومنها ما شاع في أيامنا من إقبال لدرجة الانغماس والتواكل أحيانًا، وأعني به الإفادة من الذكاء الاصطناعي، والأصل في هذا الباب أن تكون هذه الأدوات الحديثة تابعة معينة لا قائدة مسيطرة، حتى لا تكثر “البلبلة” بمعناها الدال على اختلاط غير مفهوم، وبلفظها “بل” الذي يتقافز بدم ثقيل داخل الفقرات المستولدة بالذكاء الاصطناعي، ولها -أي البلبلة- أخوات أخر يجدر بالمستخدم أن يعالجها قبل نشر نصه.

‏ومن شر أنواع المزج، وأشدها رزية، مزج الحق بالباطل، لغاية التلبيس على القراء، وكسر صلابة الرأي، أو خلخلة مستوى الإيمان بأمر ما، وحري بالمتلقي أن يستشعر خطورة هذا المزج، وأن يكون لديه من الوعي ما يعينه على اكتشافه وصده، قبل أن يجد هذا المزج الشيطاني البارع له فراغًا في قلب أو عقل، فتصبح مثل ورم السوء الذي يتوارى حتى تحين لحظة لا يجدي فيها معه علاج ولا استئصال، وقمين بالعاقل ألّا يدخل في متاهة من هذا الصنف، فهي وحل يشينه في دينه، أو خلقه، ومزلق يهوي بصاحبه حتى يغمط من حق وطنه، أو مجتمعه.

ومما يحسن التنبيه عليه، أن “المزج” على أهميته فهو بحاجة إلى ضبط واقتصاد كي لا يطغى المزج المتعمد في مسيرة الكاتب فيربكها أو يجلب إليها القلق؛ علمًا أن الكتابة كلها فعل “مزج” من مكونات قد يصعب تفكيكها حتى من الكاتب نفسه، ومكمن المهارة في كيفية المزج، وفي إحكامه كي لا يغدو خلطًا مضرًا يصيب العقل بما يشبه “التلبك المعوي”، أو يصير الخلط عصيًا على القبول عند ذوي التذوق البصير، والذائقة السليمة.

إن الكاتب الحاذق هو الذي يجيد استخدام المزج في مواده، وكمياته، وزمانه، وكيفيته، حتى ينتج عنه عمل فريد يحمل سمته، ويشير إلى بصمته، ويتواءم مع مشروعه الثقافي. ولا بأس من التجربة والتنويع، حتى تزداد الخيارات الناجحة التي يمكن التنقل بينها، وكي يعرف الكاتب المواطن التي أخفق فيها؛ فإما أن يقوي مهارته فيها، أو يهجرها بلا رجعة ،ولا يضيع معها وقتًا. إن للكتابة معملًا ومختبرًا تتجاوز محتوياته وأدواته ما يوجد في بعض المختبرات والمعامل، وبواسطتها يستطيع “المزج” المنتج، الذي يطلّ على القارئ بمنظر يخطف البصر، ورائحة عطرة، وتركيب متجانس، ومعاني آسرة.

ahmalassaf@

الرياض- الأربعاء 08 من شهرِ رمضان عام 1447

25 من شهر فبراير عام 2026م

Please follow and like us:

2 Comments

  1. في كل مرّة أطلّ فيها على مدونتك ومقالاتك ازداد اعجابا بكيفية أنك جعلت من الكتابة معملًا حيًّا ومن الكاتب كيميائيًا ماهرًا يمزج الكلمات..لغتك دائماً جزلة و رصينة، تتكئ على صور حسية عميقة، وتنسج الفكرة في بناء متدرّج يجمع بين الحكمة والتحذير، وبين التحليل والتصوير…

    ‎ويتضح من خلالها أن مهارة الكاتب المبدع تتجلى في إحكام هذا المزج، ليولد نصًّا متفرّدًا يحمل بصمته، كتركيب عطر متوازن يخطف القلب والعقل معًا.

    ‎وانتقل الموضوع بي لموضوع آخر وانبثقت منه فكرة كيمياء المشاعر
الكيمياء بين الأرواح ليست مصادفة عابرة، بل امتزاج خفيّ تتآلف فيه الذبذبات قبل الكلمات، وتلتقي فيه القلوب قبل العبارات؛ انجذاب لا يُصطنع، وانسجام لا يُكرَّر، كأن روحين عرفتا بعضهما في غيبٍ بعيد، ثم التقَتا بحب لا ينفصل. .. الصفاء الذي يُحسّ بعمق الشعور، وذلك القبول الذي لا يُفسَّر، فإذا وقع، كان نادرًا كالعطر الذي لا يُستخرج إلا مرة واحدة من عمر الزهر…

    شكرا على هذه المقالة المُلهمة كاتبنا المبدع✨💫

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

X (Twitter)