إدارة وتربية مواسم ومجتمع

رمضان وتقريب المسافات!

من خصائص شهر رمضان المبارك: قدرته الاستثنائية من بين سائر الشهور على تقليص المسافات وتقصيرها وتقريب الأبعاد. هذا الفعل الرمضاني حسي ومعنوي -مثلما سنرى-؛ ولذا فمن الحكمة البحث عن أيّ مسافة فيها تباعد، كي يُستثمر الشهر الكريم من أجل تقريبها، ببناء جسر، أو ردم هوة، أو سحب طرف إلى آخر، فكم في هذا الموسم الميمون المبارك من نفحات وبركات!

أول مسافة ينبغي الإشارة إليها هي: المسافة من الأرض نحو السماء، فالطريق مفتوح لدعوة مجابة عند الفطر، ويا له من مغنم قمين بألّا يفوت. كما أن أرواح العباد تعرج نحو خالقها بطهارة القلب، وسلامة الجوارح، وكثرة التعبد، وتكرار التوبة والأوبة، وما أعظم القرب من المولى سبحانه. وعندما تحلّ ليلة القدر، تضيق الأرجاء من كثرة الملائكة النازلين من السماء صوب الأرض، وهذا يعني أن المسافة بين السماء والأرض أضحت أقرب ما تكون في هذه الليلة الشريفة -بلغنا الله قيامها ودعاءها-، وإن السعيد من شعر بالقرب وتفرغ للدعاء.

ومن المسافات التي تقترب في رمضان: تلك التي كانت بعيدة من قبل مجيئه، وربما ثقيلة على النفس البشرية المستسلمة للهوى والشيطان، وبناء على اقتراب المسافة هذه تزدحم المساجد والجوامع بالمصلين، والقراء، والمعتكفين، في منظر يبهج القلوب، ويؤكد بقاء شيء من الفطرة وإن جنح بعض الناس بقية عامهم يمنة ويسرة. إن الطريق للمسجد من المنزل أو المكتب لطريق محفوف بالأنس والحسنات المسجلة والسيئات الممحوة مع كل خطوة، واعتيادها في رمضان سبب لاستمرارها بعده.

كذلك تقترب للناس في رمضان: البقاع المقدسة في مكة والمدينة والقدس، فتهفو لها القلوب وتسعى إليها الأقدام، ويتوجه صوبها من تثاقل عنها قبل ذلك أو تشاغل بسواها. ومن لطيف الإشارات ارتباط مكة وبيت المقدس برمضان في أحداث تاريخية مهمة كالفتح المبين، والتطهير العظيم.

كما تقصر المسافة بين الإنسان وبين كثير من الطاعات في رمضان؛ فيختم القرآن الكريم عدة مرات، وينتصر على الشُّح بالصدقة والإطعام والهبات. وفي رمضان يدنو من وفقه الله من اكتشاف ذاته، حين يعتكف في عشرها الأخير، وينقطع عن الدنيا وأهلها وشؤونها، فتصبح نفسه التي كانت بعيدة عنه أقرب ما تكون إليه، حتى يعرف دوافعها وحقائقها بعد صفاء الذهن وإقبال النفس وفراغ اليد. وفي آخر الشهر الميمون يقترب الصائمون من التطهير وإتمام العمل بصدقة الفطر، وهو اقتراب يشبه الوصول إلى المضمار والوقوف إلى جوار حافة السباق، ويا رب نسألك التوفيق والقبول.

وتهدأ النفوس في شهرنا وموسمنا المبارك، وتخنس مردة الشياطين؛ فيغدو المرء قريبًا من التصافي، سريعًا إلى التصالح، ولذلك فما أكثر التزاور والتعاذر والتسامح في شهر رمضان، وآثارها حميدة على القلوب والأرواح التي تنغمس بماء العفو، وتتطهر به من أدران الغلّ والبغضاء.

وحين ينتهي شهر رمضان يقترب العباد من الفرح بإدراك الشهر، والفرح بالقدرة على صيامه وقيامه، ويقتربون أيضًا من الفرح برجاء القبول من المولى، ومن الفرح بحلول العيد السعيد والظفر بجوائزه. إن رمضان شهر كريم، ووافد طيب مبارك، وما أحرانا باغتنامه للقرب من كل خير، والتزاور عمّا سواه.

ahmalassaf@

الرياض- الاثنين 07 من شهرِ شعبان عام 1447

26 من شهر  يناير عام 2026م

مواسمنا أربعون مقالا عن رمضان والعيدين

Please follow and like us:

2 Comments

  1. مقالٌ أعاد تعريف رمضان ..
    لا زمنًا للصوم فحسب ..
    بل جسرًا تُردم به المسافات ..

    بين الأرض والسماء ..
    وبين القلب ونفسه ..
    وبين الناس وقلوبهم ..

    كتابةٌ تذكّرنا ..
    أن القرب قرار ..
    وأن رمضان فرصته ..
    الأجمل ..

    شكرًا لعمق رؤيتكم ..
    وإبداع قلمكم .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

X (Twitter)