إدارة وتربية مواسم ومجتمع

رمضان واستعادة التوازن!

حقًا إن شهر رمضان المبارك موسم ميمون مليء بالفضائل والمنح واللفتات، فسبحان من اختصنا به، وشرعه لنا، وطرح فيه البركات المتوالية المتضاعفة؛ فهو غير طارئ علينا، وإنما ضيف منتظر بما فيه من فضائل تصلحنا. من خيرات هذا الشهر الكريم أنه سبب أكيد لاستعادة التوازن على صعيد الفرد والمجتمع والأمة من نواح عدة كما سيأتي. من دقيق ما يحصل للمرء في رمضان، أن يكتشف فيه حقيقة موقعه السابق، وأنه كان على حافة بعيدة وطرف قصي، لكنه لم يدرك ذلك ويبدأ مسيرة البحث عن التوازن إلّا عندما حلّ رمضان؛ فصار الشهر الكريم لديه ميزان السنة، وضابط إيقاعها.

في رمضان يستعاد التوازن في العلاقة الجدلية بين الدين والحياة، وليس بينهما تضاد في الأصل يستوجب ذلكم الجدل، ويتحقق التوازن بين الدنيا والآخرة، فالأولى مزرعة حصادها في الثانية. ومن أولى أعمال هذا الباب أن يقترب الناس من ربهم بالطاعات ابتداء أو زيادة أو إخلاصًا، فينهدم حاجز وهمي بين المرء والتعبّد، ويكسر السعيد حاجز سقوفه السابقة، والسعيد حقًا هو من واصل التأله عقب الشهر ولو بمستوى أقل مما كان في رمضان.

كما يستعيد المجتمع توازنه في الاتصال والتواصل بين مكوناته، وبين مجموعاته ذات الامتداد الطبيعي، مثل الأقارب والجيران والأصدقاء والزملاء والمعارف ومن سواهم. إن رمضان فرصة مواتية لهجر الهجر، وبتر القطيعة، وفتح صفحة جديدة من العلائق البينية، تذيب الرواسب، وتجلو النفوس، فالعمر مهما طال سينتهي ونراه قصيرًا. وهذا التواصل غير قاصر على النواحي الشعبية فقط، فالشركات تفتح نافذة صلة واجتماع مع موظفيها، والحكومات تزيد في التلطف والعفو والتوسعة على أناسها، وتنشط مؤسسات المجتمع الأهلية في صنع المعروف بأصنافه.

ومن التوازن المستعاد في رمضان أن يجتمع أهل البيت الواحد على وجبتي الفطور والسحور كل يوم تقريبًا، وهي نعمة مفقودة بسبب طول أوقات العمل، وزحمة الشوارع، وإسراف بعض أعضاء البيت الواحد بالسفر القصير، أو المكوث الطويل في الاستراحات والمزارع، أو قضاء أيام في البراري والشواطئ، فالبيت جزء من السكن والسكينة وهدوء البال، والراحة فيه مجلبة للتوازن والاستقرار الذي تنعم به النفس والبيئة المحيطة، والاجتماع يعين على نقل التجارب والخبرات بين الأجيال كي لا تستفرد العوالم الرقمية بالناشئة.

كذلك يتوازن الناس صحيًا وغذائيًا في رمضان، فجداول الطعام شبه منضبطة في أوقاتها، والانقطاع عن الأكل والشرب له فوائده، وربما اهتبل الموفق موسم رمضان للتقليل من بعض العوائد أو تركها كليّة، وفتح لنفسه مسلكًا جديدًا في شرب الماء والسوائل، وفي ممارسة الرياضات المناسبة، فالذكر والتسبيح والاستغفار بتأمل، مع المشي المنفرد، أو حين أداء التمارين، سيكون سببًا للجمع بين عملين نافعين في العاجلة والآجلة. هذا التوازن سيقود إلى ضبط المصروفات، والتوازن الاقتصادي الذي تنهكه كثرة الزوائد خاصة في المطعم والمشرب والكماليات التي يمكن إدارتها وتخفيفها.

ومن جليل التوازن الرمضاني أن ينتصر المسلم على وسوسة الشيطان وأزه وإفكه وتسويله وتحسينه القبيح وتقبيحه الحسن، فالمردة غائبون عن الميدان، والصغار في صَغَار وخنوس، ويمكن دفعهم بعون الله، فإذا اعتاد المرء على النصر، ووجد لذته، فسوف يحاول حمل شعلة التفوق معه قدر وسعه حتى بعد نهاية رمضان، ليكون حال الشياطين معه في سفول ونكوص بما حياه الله من تحصين وقربات حاجزة مثل الختمة القرانية تلو الختمة، وصيام الأيام والشهور الوارد فضلها في السنة المطهرة، وغيرها.

هنيئًا لأمة الإسلام شهرها العظيم، الذي تستعيد به الأمة جزءًا من خصوصيتها، وتحافظ به على بعض عراقتها، وتعيد إصلاح أحوالها الدينية والدنيوية، وترفع خلاله من وعيها ويقظتها، وتكمل به شؤونها الضرورية والحاجية والتحسينية، وتنتصر على العوائد وقطاع الطريق؛ كي تغدو الأمة المحمدية سائرة وفاق مراد ربها وشرعه، وعلى هدي نبيها ومن جعلته أسوة لها في أمره كله؛ فهيّا بنا إلى رحابة التوازن، وسعته، وسعادته، بعيدًا عن ضيق الأطراف والزوايا الحادة.

ahmalassaf@

الرياض- الاثنين 21 من شهرِ شعبان عام 1447

09  من شهر فبراير عام 2026م

مواسمنا أربعون مقالا عن رمضان والعيدين

Please follow and like us:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

X (Twitter)