من ثمار القراءة إراحة الذهن والقلب والنفس؛ وإزاحة الكدر والهم. هذا الكتاب يصنع ذلك وأزيد! هذا الكتاب يمنحك المعلومة الفريدة، ويدربك على التمييز والنقد، ويحضك على البحث حضًا حضًا. عنوانه: إجمام الخاطر: حديث الأدب والأدباء. تأليف: فهد بن عسكر الباشا، نشرته شركة آفاق المعرفة للنشر والتوزيع، وصدرت الطبعة الأولى منه عام (1447=2025م)، ويقع في (346) صفحة مكونة من الإهداء والفهرس فالمقدمة، ثم ستة أبحاث مقالية، أو ستة مقالات بحثية، يعقبها الخاتمة ثم فهرس المصادر التي تجاوزت مئتي مصدر برقم يساوي عدد الكواكب التي سجدت لنبي الله يوسف -عليه الصلاة والسلام- مع الشمس والقمر، كما ورد في سورة يوسف التي وصفت بأنها سلوة المحزون، ولا شيء أدفع للحزن والهم من إجمام الخاطر.


كتب الباشا مقدمة نفيسة، والنفاسة منه لا تستغرب. ذكر في هذه المقدمة قصة هذا الكتاب البحثي الخاص بأدباء من مصر عاشوا في القرن الماضي، وقد صاغه مؤلفنا بحرية كتابية -وما أجمل الحرية الكتابية- بعد عملية تنقيب عميقة سيلحظها القارئ، ولكتابة كل مقال أو بحث منها دافع مختلف. في كل مقال استطراد، وفوائد، وإمتاع، فاستحق الكتاب عنوانه الذي التقطه المؤلف من كلمة ذكرها الجاحظ واصفًا نفسه بأنه ميّال لإجمام الخاطر بما لاغميزة فيه بالدين، ولا مساس فيه بالمروءة، وهذان شرطان عظيمان للمسامرة والأنس، وللمجالس الراقية.

عنوان أول بحث: بقايا إنسان محطم! “شاعر تنكر للحياة فتنكرت له”، وهو شاعر مشؤوم منحوس اسمه عبدالحميد الديب. بلغ من شؤم هذا الشاعر أن الكاتب ظلّ ست سنوات يقلّب مسوداته عنه دون قدرة على الكتابة! والعجيب أن ديوان الشاعر لازمه التعثر مع كل محاولة لجمعه وطباعته حتى لو وقف على مشروع الطباعة وزراء ولجان ثقافية ودور نشر. ولشؤم هذا الشاعر طرائف ونظائر سابقة مع الشاعر ابن الرومي، فمن خبر نحس الديب فقر عيشه، وقلة ذات يده، وإدمانه المخدرات، والتشرد أو السكن في غرفة ضيقة خالية شاركه فيه فأر، وحين تعجب صديق من فأر يعيش في غرفة لاشيء فيها أجابه الديب بأن الفأر يقرض الشعر معه! وبلغت به الحال أن وصفه كاتب بأنه حي لا يرزق والعياذ بالله. وقد درس المؤلف دعاوى الديب وأبان عن رأيه فيها راويًا بعض ما ابتلي فيه من نكران للمعروف وبذاءة لسان، ومع نفاسة هذا البحث إلّا أني وددت ألّا يكون هو الأول؛ كي لا يصرف شؤمه القارئ عن مواصلة القراءة، وهو التحرز الذي فطن له المؤلف في المقدمة، فتمنى أن يلتقي بالقارئ في الخاتمة!

أما البحث الثاني فعنوانه: معلم عقّه تلامذته!، وهو الكاتب الأديب مصطفى لطفي المنفلوطي الذي كان “رقيق القلب، عف الضمير، سليم الصدر، صحيح العقيدة”. وهو أديب مؤثر في جيل من الكتاب والأدباء بعده، وإن تنكر له بعضهم وقلل من قدره، وهو موضوع أخذ جزءًا من هذا البحث. وله أشعار مبكرة هجا فيه الخديوي عباس؛ فسجن مدة أفرج عنه قبل تمامها بشفاعة من الشيخ محمد عبده، وعمل فيما بعد بالديوان الملكي المصري، وشاء الله أن يموت المنفلوطي في يوم الاعتداء على سعد زغلول فما شعر الناس بوفاته. للمنفلوطي طريقة في القراءة والكتابة والترجمة حتى وهو لا يجيد لغة أجنبية، علمًا أن هذا الكتاب يفيد أي قارئ، وفائدته للكاتب والأديب مضاعفة. وقد تتبع الباشا آراء المنفلوطي لمن رام التوسع، ومن جليل قول أديبنا: “لا أستطيع أن أتصور أن الإنسان إنسان حتى أراه محسنًا”.

ولأن الكتاب كما أسلفت يعني الكتّاب أكثر من غيرهم، جاء المقال البحثي الثالث بعنوان: رجل قلّ في عصره الندُّ، والوصف هنا يخص الكاتب المفكر عباس العقاد الذي قيل فيه بحق: “لقد عاش العقاد حياة فكرية مليئة بالخصوبة، مليئة بالخطأ والصواب، ولكنها أيضًا مليئة بالشرف والاستقلال والشجاعة”، ومن قرأ البحث آمن بما في العقاد من اعتزاز واستقلال وكرامة، وهي صفة ضرورية لمن يعرف قيمة العلم والفكر والأدب، ولمن يقدر نعمة القلم والبيان حق قدرها، ولا يجعلها سلعة معروضة. لم يجامل العقاد أحدًا في سبيل ما يعتقده، ولم يستصغر نفسه أمام الزعماء والوجهاء والأثرياء وحملة الشهادات، وكان منازلًا عنيدًا، ومقارعًا صلبًا في ميادين الكتابة والثقافة، فلم يفلح معه سيف ولا ذهب، ولم يرهبه أو يرغبه شيء، ومع هذا البأو والأنفة، إلّا أن الرجل كان مضيافًا، صاحب مجلس، مترفعًا عن الصغائر، نافعًا للكتاب والأدباء، وكان فكهًا رقيقًا لطيفًا مع الضعفة وعامة الناس.

ومع الفلاح السنتريسي كان البحث الرابع، وهو “أكبر مشاكس عرفته الحياة الثقافية في مصر، وربما في العالم العربي”، وربما أن القارئ قد عرف أن المقصود هو الدكاترة محمد زكي مبارك، الذي لم يدع أديبًا ذائع الصيت إلا وأمسك بتلابيبه وافتعل معه معركة، حتى وصف بأنه ملاكم أدبي يدس أنفه فيما يعرف وفيما لا يعرف! ويشترك الدكاترة مع الشاعر الديب بشعور المظلومية والضحية، وهي مشاعر ضعف جديرة بأن تُركل لا أن تدفع فقط. وقد أنعم الله عليه بكثرة الكتابة والتأليف، وأخذ عليه الإفراط بالثناء على نفسه وكتبه، وإن ساقه بأسلوب لا ينفر القارئ، وهذا الثناء مفسر بما كان يجده أو يعتقده من الإقصاء والظلم؛ فكثرت معاركه حتى غدا غريبًا في وطنه، وجلب على نفسه ويلات وإحن، وانتقد بسبب مدح الذات بإطراء زائد، وذكر كتبه حتى من غير مناسبة، والتعالي على أسماء ومناصب مثل شيخ الأزهر ومدير الجامعة. ولديه ثقة غريبة بشعره الضعيف الذي لا يوازي نثره المتقن، وهو النثر الذي يرجع تميزه إلى أصلين هما: الصدق والوضوح مثلما ذكر الدكاترة نفسه.

ثم سوف يستريح القارئ ويهنأ بالعيش مع إمام من أئمة البيان والكتابة والبلاغة، فخامس مقال عنوانه: البيان المصفى! وهو عن الأديب الكاتب أحمد حسن الزيات صاحب الرسالة، تلك المجلة العظيمة التي حفظت العلم وأبرزت القامات. وخير تعريف بشخصه قوله عن نفسه: “ومن مذهبي أن أجعل الجمال سبيلًا إلى الخير ودليلًا على الحق”. وأكاد أجزم أن قارئ هذا البحث سينتقل من فوره لقراءة وحي الرسالة للزيات ولو منجمًا. وقد بدأ المؤلف هذا القسم بقصة غرق طفل في البحر لولا أن أنقذه الشيخ بيومي، والحقيقة أنه لم ينقذ طفلًا بل أنقذ الأدب والثقافة؛ فذلكم الطفل هو الزيات. إن الحديث عن الزيات هو حديث عن الأدب والكتابة، عن أثر حفظه للقرآن الكريم، ثمّ تكوينه المبكر على أسلوبه، وعسى أن تتاح الفرصة لعرض كتاب لملم أشتات سيرته وأشلائها بعنوان: ذكرى عهود جمعه د.عبدالرحمن قائد، وأصدرته آفاق المعرفة.

ونصل إلى آخر مقال بعنوان: البلبل الغريد، وهو عن الشاعر حافظ إبراهيم الذي كان “دولة في الظرف، وعالمُا حافلًا من الأنس”. سوف يجد القارئ في هذا الجزء صورة أخرى عن حافظ إبراهيم بعيدة عن الشعر، ويشاهد حافظ الظريف صاحب الدعابة والأحدوثة الحسنة، وحافظ الكريم، وحافظ صاحب الحافظة القوية. والحقيقة أن آخر هذا البحث الذي روى فيه المؤلف بعض طرائف حافظ يجلب الضحك بل القهقهة، وليت أن هذا البحث كان هو الأول ليزيد من حماسة القارئ لبقية الكتاب. إن حلاوة الحديث لدى حافظ لمهارة جديرة بالدراسة كي تتحسن الأحاديث العامة والمجلسية؛ وذلكم فن عزيز وتوفيق من الرحمن العليم قبل أي شيء.

إن هذا الكتاب يتجاوز المعلومات المدرسية الباردة التي يمكن الوصول إليها بالنفخ على الزر وليس بالضغط عليه! وإن شخصياته متنوعة المنزع، ودراستها تنوعت بين فكرية أو نفسية أو أدبية، وهذا التفاوت يجم الخاطر حقًا؛ إذ أجاد المؤلف في قراءة تراث هذه الأسماء، وسيرهم، وما كتب عنهم من أهل الإنصاف، ومن أهل التجني أو التمجيد، فخرج بخلاصة ولباب يمتع القارئ وينفعه، وبمادة تصلح للمسامرة مثل كتابه السالف الجميل “الناطق الأخرس”. وقد حاولت التواصل مع مؤلفنا على بريده المدون في حاشية الخاتمة للثناء والشكر، لكني لم أفلح ولا أعلم في أي بريد شبكي تكمن العلّة، لكني على أيّ حال سعدت حينما علمت مما ورد في الخاتمة بأن هذا الإجمام هو جزء أول، سيتبعه أجزاء أخرى، تتجاوز القرن العشرين، ولا تقتصر على أدباء العربية؛ فهنيئًا للخواطر بما سيأتيها من إجمام.
الرياض- الخميس 10 من شهرِ شعبان عام 1447
29 من شهر يناير عام 2026م
8 Comments
جزاك الله خيراِ أبا مالك
أمتعتنا ، متعك الله بكل جميل
اللهم آمين ولكم المحبة أبا عبدالرحمن
قرأتُ المقال وكأنني أتجول بين أروقة الأدب وروابي الفكر ..
حيث تتلاقى الدقة في السرد مع رصانة المعنى ..
فتتحول الشخصيات إلى مرآة للفكر والأخلاق ووضوح الرؤية .
الأسلوب يجعل القارئ يتوقف عند كل جملة ..
يتأمل ويعيد النظر في كل كلمة ..
وكأنها دعوة هادئة للتفكر في قيمة الكلمة وسمو التعبير .
لقد أبدع الكاتب في أن جعل « إجمام الخاطر » أكثر من مجرد كتاب ..
بل تجربة فكرية راقية تصنع أثرًا في القارئ ..
فتخرجه من كل فقرة وهو أكثر إدراكًا للمعنى ..
وأكثر تقديرًا للغة ..
وأكثر وعيًا بعظمة الكلمة حين تُكتب بصدق وإتقان .
وهو نص ناضج ومتّزن ..
يقف على تخوم الأدب التأملي الرفيع ..
لا يُقرأ على عجل ..
ولا يُستهلك بوصفه مقالًا عابرًا .
أسأل الله أن يبارك في هذا القلم ..
وأن يظل أثره ممتدًا في الوعي والفكر ..
كما هو في هذه الصفحات .
شكرا لكم أ.علياء والله ينفع ويبارك
ما شاء الله ، ما شاء الله.
مقالة ماتعة دكتور،،، أمتعتنا، متعكم الله بالعافية.
شكرا لكم د.أمينة
في هذه اللحظة رغم حضوري الآن لفيلمٍ سينمائيٍّ تاريخي، تحيطني الشاشة الواسعة والأصوات الصاخبة وجدت نفسي أترك الشاشة جانبًا، واستمتع بهذه المقالة؛ لما فيها من إجمامٍ للخاطر وترويحٍ للنفس اكثر متعة من الفيلم نفسه، وما تحمله من اختيارٍ بديع يستحق أن يُقرأ على مهل.
ولا أخفيك سراً كاتبنا القدير أن أسلوبك في كتابة المقالة دائماً يبهرني و يشي بعقلٍ قارئٍ لا يكتفي بالاطلاع بل بالإبحار في الكتب وتلمّس أجودها، وبذائقةٍ أدبيةٍ تعرف كيف تُمسك بالنصوص المميزة، تكتب وتحلل بعين الناقد الممتلئ بالمعرفة، ثم تسكب ذلك كلّه في لغةٍ رفيعةٍ لا تتكلف الكتابة ولا تهمل الجمال؛ وقدرتك الفذّة على الجمع بين العمق والإمتاع، فتمرّر اللغة بسلاسة لتقدم لنا هذه المراجعة في قطعة نفسية صالحة للتأمل والمسامرة معًا.
اختياراتك كاتبنا العزيز للكتب موفّقة، وقراءتك للشخصيات متوازنة، لا تنحاز إلى التمجيد الأعمى ولا إلى التجني، بل تمضي خلف الفكرة حيث تستحق أن يكتب عنها. لذلك لا نخرج من مقالتك مكتفين بما قرأنا، بل مشحونين برغبة صادقة في العودة إلى الكتب نفسها واقتناءها ، وتلك دلالة مميزة أن أسلوبك اللذيذ بالسرد لا يشرح النصوص فحسب، بل يوقظ الشهية إليها.
لإنك أسلوبك في كتابة المقال شيّق، ومحفّز دائمًا على اقتناء الكتب؛ مراجعاتك لا تكتفي بالثناء على الكتاب ، بل تفتح افئدة القراء للفهم والاختيار الواعي. كتابٌ يصدق عليه اسمه، ومقالةٌ تزيد الرغبة فيه، وتؤكد أن القراءة الجيدة ما زالت أقدر من أي مشهدٍ عابر على إنعاش الروح.. وأفضل من كل الأفلام 🙏
شكرا لكم كاتبنا الطائي العزيز، والحمدلله أن صار للكتابة ظفر على الشاشة.