إدارة وتربية قراءة وكتابة

هبات من الزحام!

اعتدت في بعض برامج التدريب على الكتابة التي أقدمها، أن أعرض للمشاركين صورًا وأطلب منهم استخراج الأفكار منها. إحدى الصور المتكررة كانت منظر زحام شديد، يختلط فيه البشر مع السيارات والدواب والعربات بأنواعها، وهي ملتقطة من بلد عربي عزيز، علمًا أن الزحام حالة معتادة في الحواضر، ولها دواعيها. أثارت الصورة لدى أولئك الكرام والكريمات عددًا من الأفكار، أقيدها هنا، وأضيف عليها، سائلًا المولى أن ينفع بها، وأن يحفظ لنا ولكم الوقت والجهد.

من الطبيعي جدًا أن تسبب الزحمة في الطرقات الضجر والضيق في النفوس والأخلاق، لكن بما أنها قدر مدني حضاري لا مفر منه في الغالب، فلا مناص من التعامل معها بشيء من الاستثمار الاضطراري إن لم يكن اختياريًا. من ذلك أنه يمكن إمضاء وقت الزحام بعيش هنئ مع ذكر الله والثناء عليه وحمده وتسبيحه، أو التلاوة ومراجعة الحفظ، والموفق من لزم واغتنم. ومن ذلك أن الزحام الطويل يمنح للمرء وقتًا خاصًا للاستماع المفيد، وما أكثر المنصات السمعية والإذاعات التي تقدم برامج نافعة، فينقلب أثر الزحام حينئذ من ضيق مقلق إلى سعة منشودة.

كذلك يمكن جعل الزحمة فرصة للتفكير والمراجعة شريطة ألّا يتماهى المرء مع أفكاره وينسى الطريق ومن وما فيه، وإذا كان الفراش، والتشابك مع الماء، والمشي، من السبل الأكيدة المجربة لتوليد الأفكار، فربما نضيف لها حالات الاختناق المروري. من مفردات هذا التفكير التأمل في الطرق ومكوناتها، والخلائق واختلافهم، وهي سانحة جدير بصناع الأفكار -على اختلافهم- أن يهتبلوها، ويجعلوا من الزحمة نافذة للابتكار، ووقتًا لتطوير القدرة على الكتابة الذهنية.

أيضًا يستطيع المرء إمضاء زمن الزحمة بإنهاء الاتصالات الضرورية أو الهامشية التي لا تتطلب انشغال الأيدي بالجهاز، ولا تصرف الانتباه عن القيادة؛ فمن الضروري تحرير اليدين بحثًا عن السلامة من الحوادث، والسلامة من المخالفات! وقد يستثمر الإنسان وقت الزحمة الإجباري في تعويد نفسه على الحلم والصبر والتصبر، وتحمّل الناس والأحوال، وطول البال والأناة، فهي فرصة لتهذيب النفس اللجوج العجول، وسبيل لاكتساب طبائع حسنة، فيصبح الزحام مثل المربي الصارم.

ومع أن الزحمة حال مزعجة قد تشير إلى تدني مستوى التدبير أو التنفيذ، أو ضعف التنبؤ بالمستقبل وأعداد الناس والمركبات السالكة للطرق، إلّا أنها تدل على منطقة مليئة بالعمل والاقتصاد النشط، ووجود العمل والمكاسب يقتضي الحمد. وتدل على بيئة آمنة خرج فيها الناس دون خوف، والأمن -يا قوم- تحلو به الحياة، ويستحق السجود لله شكرًا. وتدل على أن الأجواء أو المركبات مناسبة -بالجملة- للخروج، وتلك نعمة تستلزم الفرح والسعادة.

كما أن الزحمة تدل على توافر سبل الرزق ومنافذ البيع والشراء وتحقيق مصالح الناس المتنوعة، وإلّا لما تدفقت هذه الجموع وهي تعلم علم اليقين بأنها سوف تعلق بزحمة تنغص الخاطر. ومن دلائل الزحمة فضيلة ابتعاد الرجال -على وجه الخصوص- عن البيوت، من أجل التخفيف على أهلها خاصة من النساء، وإيجاد الشوق بعد الغيبة، وربما قال بعض المشاركين من أجل موازنة الأمر: إن الزحمة تدل على “الطفش” من المنزل، والطفش كلمة دارجة تعني الضجر والملل، وهما من مرارات الحياة، وكواذب الأخلاق.

وقد تصبح الزحمات من أسباب التجديد في طرائق العمل، وتوسيع دوائر العمل عن بعد في أيام محددة، وإعادة جدولة المشروعات المدنية كي لا تتزامن فيزداد إرهاقها للناس. ربما تجبر الزحمة الناس على حسن إدارة الوقت؛ فالتبكير بدقائق قد يعني النجاة من مضائق. وربما تؤدي الزحمة إلى استخدام وسائل النقل العام المتاحة، أو تفتح الباب لترافق مجموعة متجانسة معًا ذهابًا وإيابًا مما يصنع ألفة ومودة بينهم، ويخفف على الدروب واستهلاك الوقود وصرف الجيوب. وربما تقود الزحمة إلى تطويرات جذرية في الطرق وشبكتها، وفي المدن وتنظيمها، مثلما هو واقع هذه الأيام، ولا مناص من الانتظار رجاء ما هو أفسح وأشرح في قابل الأزمان.

هذا كله لا ينفي الحرج الحاصل من الزحمة مثل التأخير خاصة للمريض والمسافر والممتحن، ومثل الاختناق بالعوادم، أو نشوء المشكلات بين سالكي الطريق الواحد، أو مستخدي الوسيلة الواحدة، ومن الطبيعي جدًا أن تغدو سببًا للحوادث كفانا الله وإياكم شرورها. ومن إشكالاتها أن الأطفال الصغار قد لا ينعمون بالجلوس مع أبويهم بسبب عودتهم المتأخرة للمنزل، وقد يرجع أحدهما وهو كيان قابل للانفجار؛ وتلك بلية لم تعالجها الزحمة كما أشرت آنفًا بأنها قد تعلّم الحلم والصبر وطول البال.

من لطائف الزحمة ما سمعته من أصحاب هذه القصص أو رواية عنهم مباشرة. أولها: أنه بعد تلاسن شاب وشابة تصادما، آل بهما الحادث إلى الزواج، وهذه نادرة لا يقاس عليها، والسلامة لا يعدلها شيء! وثانيها: أن مجموعة من الشباب الذين يعملون في مكان واحد، ويسكنون عدة أحياء متباعدة، اتفقوا على استئجار استراحة قريبة من مقر عملهم، ويمضون فيها أيام العمل الخمسة، وأما الجمعة والسبت فيقضونها مع عائلاتهم في البيوت! والثالثة: أن شابًا اتخذ سيارة مجهزة، يتنحى بها جانبًا وينام، وبعد هدوء الطريق يمضي إلى بيته، ومثله شاب يجلس في أقرب مقهى عند مكان عمله، وحين تسكن الدنيا يقفل بأمان لدار أهله.

إن التعامل مع الزحام على أنه قضاء حتمي أجدى من التذمر والشكوى بلا جدوى، والبحث عن وسائل للتعامل مع الزحمة هو مقتضى الحكمة، مع بقاء الأمل بسرعة إصلاح الوضع، وجمال المستقبل المنشود، ومع فتح الباب للمقترحات والأفكار، من أجل تقليل احتمالية الوقوع في عنق زجاجة، ومع أهمية إجراء مقارنة “زاجرة” للنفس، خلاصتها أن هذه هي زحمة الدنيا، فكيف بزحام الآخرة؟ اللهم نسألك الأمن والظل والسلامة والنجاة.

ahmalassaf@

الرياض- ليلة الخميس 10 من شهرِ شعبان عام 1447

29 من شهر  يناير عام 2026م

Please follow and like us:

6 Comments

  1. جزاك الله خيرا

    استوقفتني ( فكيف بزحام الآخرة ؟)

    قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( يحشر الناس يوم القيامة على أرض بيضاء عفراء كقرصة النقي، ليس فيها علم لأحد) . ويخرج الخلق كلهم إلى أرض المحشر للحساب لا يتخلف منهم أحد، قال تعالى: ﴿ وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا ﴾ [الكهف:47].

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

X (Twitter)