سير وأعلام

غالب بن محمد الحمد ومئة براءة!

بالأمس القريب، غادر عالمنا الأرضي، الشيخ غالب بن محمد الحمد (1361-1447= 1942-2025م) -رحمه الله- الذي صرم حياته في كفاح منذ الصغر على إثر انكسار والده تجاريًا؛ فأصبح من القدر المحتوم عليه أن يدرس نهارًا أو ليلًا، ويعمل من “فراش” في الإمارة إلى “سواق” قلابي وقع له فيه حادث انقلاب قوي، لكن الله سلمه وإن تأثرت يده من ذلكم الحادث. وظلّ غالب في نصب دائب لموازنة حياة أسرته حتى أنهى الدراسة في المعهد الصحي بالرياض.

سبب هذا الجهد المضني من قبل شاب صغير هو رغبته في مساعدة والده على إعالة منزل فيه عشرون نفسًا جلّهم من النساء وصغار السن. لقد كانت نشأته قاسية جدًا، لكنها علّمت غالبًا كيف يغالب الحياة ولأوائها؛ فضنك الحياة يعجل بالنضج، ويرفع من مستوى القدرة على تحمل المسؤولية، وإن عصامية البداية لتقود إلى روعة الإنجاز، وإن شعور الرجولة المتدفق في نفس الفتى الغض لمئنة على عظمة خفية تسري في أمشاجه ودمائه إلى أن حانت لها الفرصة؛ فتجلّت في لحظة قادمة حتى رآها الآخرون وآمنوا بها.

ثمّ ابتعثته الحكومة بعد فراغه من الدراسة في المعهد الصحي بالرياض لدراسة تخصص الكيمياء في بغداد عاصمة العراق، فعاصر انقلاب عبدالكريم قاسم “الدموي” الذي وقع عام (1958م). وبعد عودته للمملكة كتب مقالًا عن تطورات علوم الذرة، فلقي المقال امتعاضًا من بعض القراء، وإعجابًا من الملك فيصل -ولي العهد حينها- الذي أبدى سعادته بتخصص مواطنه الشاب الحمد في الكيمياء. لقد كان هذا التخصص الجديد في تلكم الحقبة المبكرة غير معهود كثيرًا خاصة في وسط المملكة.

وبعد رجوعه إلى عاصمته الأثيرة الرياض عمل في المختبر بمستشفى الولادة، وواصل العمل مساء في مختبر خاص آخر بحثًا عن دخل إضافي كي يعين والده على مسؤوليات ومطالب البيت الكبير بمن فيه، ومن طريف ما وقع له أنه تولى سحب عينة دم من شخصية مهمة، ورفض أخذ مكافأة من هذه الشخصية على ذلك مثل بقية الموظفين؛ لأنه أدى عمله المطلوب منه دون تفضّل، وحين علم مسؤول كبير بما حدث استدعاه وأعطاه مكافأة تربو على ثلاثة أضعاف المبلغ الذي رفضه، وأصر عليه كي يقبلها، وكان هذا “الرزق” سببًا في التوسعة عليه، والقصة تعود لبداية عشر التسعينات الهجرية والسبعينات الميلادية من القرن الماضي هجريه وميلاديه.

عقب ذلك أراد أبو أشرف ممارسة التجارة فهي أجدى من الوظيفة، وحين سنحت له الفرصة سافر إلى ألمانيا واشترى منها عدة سيارات باعها لمواطنين بمكسب يصل إلى ألف ريال في السيارة الواحدة، وهو مبلغ مجز للغاية قبل ستة عقود تقريبًا. وقد شحن السيارات إلى بيروت عاصمة لبنان، وجاء بسيارته الخاصة عبر البر، كي يخفض التكاليف، ويستكشف عدة بلاد، وهذا التصرف يشير إلى حكمة في التدبير، وجرأة في التعرف على ما ليس له به علم. وعقب ذلك ترك العمل الحكومي، وعمل في المقاولات بالشراكة أو مستقلًا.

لكن حب الكيمياء قد ملك عليه لبّه؛ فجعل المطبخ الخارجي في منزله الصغير مختبرًا يجري عليه تجاربه الجريئة، ويطبق أفكاره التي لو أعلنها لوأدها أقوام في مهدها؛ فكم يبرع بعض الناس في إزهاق أرواح المواهب في مهدها! كانت تجاربه موضع ترحيب وتشجيع من أهل بيته، وسببًا في خوف بعض جيرانه من أن تحرقهم أو تشعل النيران بهم “كيمياء غالب”، لكن الله اللطيف سلّم وأعان.

وبعد ست سنوات -تقريبًا- من العمل المتواصل دون يأس أو ملل، ومن الاهتمام الذي خالط النفس والعقل وساكنهما ولم يفتر أو يضعف، وخلال هذه الأعوام صرف غالب الحمد على تجاربه الكيمائية الكثير الكثير من الأموال والأوقات والجهود، حتى كاد أن يصدق عليه قول العالم الكبير، وأحد صاحبي أبي حنيفة، القاضي أبو يوسف: ” من اشتغل بثلاث لم يأمن من ثلاث،… وذكر منها: من اشتغل بالكيمياء لم يأمن من الإفلاس”؛ لكن الذي حدث كان غير ذلك!

إذ استطاع غالب -بتوفيق من الله وعون- أن يصل لاكتشاف عالمي مذهل عام (1409=1989م)، هو مانع للانفجارات والحرائق، وقد حصل على تسعة وتسعين براءة اختراع عليه من أمريكا لاستخدامات متنوعة في قطاعات النفط والدفاع وغيرها بدءًا من عام (1410=1990م)، وسعت شركة كبرى بحدب من أجل شراء المنتج بمبلغ مالي ضخم من الدولارات، مع نسبة سنوية من الأرباح، بيد أن أبا أشرف سما وأبى كي يبقى المنتج سعوديًا يحسب لصالح بلاده وأهلها. وقد نال الحمد الرعاية من الأمير سلطان، والتكريم من الملك سلمان، وشهد له العارفون بالنزاهة التامة، والإخلاص الكبير، والبراءة التامة مما خاض فيه غيره وولغ، وكانت هذه البراءة الأخيرة أحب إليه من تسع وتسعين براءة سابقة، لتفرد الأخيرة مصدرًا وموضوعًا ومناسبة، ومجيئها شهادة ثمينة بلا طلب منه!

وبعد أن فتح الله عليه أبواب الرزق، زاد فيما نشأ عليه من بر أبويه، وإكرام إخوانه وأخواته حتى صار فيهم بمنزلة “الأخ الوالد”، وبادر من فوره لأبواب متنوعة من البر والإحسان في مجالات تحفيظ القرآن للجنسين، وبناء المساجد، وتفطير الصائمين، وإكرام الموتى، وعلاج المرضى، وكفالة الأيتام، ودفع الديون، وتفريج الكرب، وغيرها، وكان يقول لموظفيه ضاعفوا دفع الزكاة ثلاث مرات، ولا تتركوا في ذمتي ريالًا واحدًا لأحد. وحرص على إشراك والديه في أيّ صدقة يدفعها، وواظب على زيارتهما أحياء في البيت، وأمواتًا في القبور، ومن إكرامهما أنه يحسن لحراس المقبرة وعمالها من أجل وجود جدثي أبويه فيها. وهو أستاذ في حسن العهد والصحبة، ومن ذلك أنه لم يخرج اسم زوجته الراحلة من سجل الأسرة بعد وفاتها.

وقد أصيب الشيخ غالب خلال حياته بثلاثة أنواع من السرطان في واقعة غير شائعة؛ فصبر واحتسب ولم يجزع أو يتضجر، ففي عام (2007م) أصابه سرطان الدم، ثمّ حلّ سرطان آخر في قاع الفم عام (2022م)، ولم يمهله الثالث وهو السرطان الحرشفي الذي اكتشف فيه عام (2025م)، وانتشر في العظم والرئة والكبد، وكان حينها مؤمنًا راضيًا موقنًا، يصبّر الباكين حوله بقوله: لم الجزع؟ فأنا في وجه الله! وما أحسن الظن الحسن بالكريم الغفور سبحانه خاصة مع اقتراب موعد اللقاء به عز وجل.

وحين اشتد عليه المرض دخل في مرحلة إغماء لمدة واحد وثمانين يومًا، حتى توفي يوم الثلاثاء الفائت، وصلي عليه في جامعه الذي بناه بحي القيروان شمال الرياض، واصطفت عشرات الصفوف من الرجال والنساء للصلاة عليه والدعاء له، وفيهم من لم يعرفه من قبل وإنما سمع عنه فقط، وجاء تدفعه تلك السيرة الحسنة لشهود جنازته التي كانت وحيدة في الجامع ساعتها، وهو الجامع الفخم الذي اجتهد أبو أشرف ومحمد بمتابعة تجهيز مغسلة الأموات فيه، وشراء ما تحتاجه من أجهزة ومعدات وسيارات ودون توان أو مماكسة في الأسعار؛ فكل ما يصرف لله لا مجال للانتظار فيه لدى الشيخ غالب، ولا وقت للمفاصلة كما أوصى نجله الأكبر أشرف إبان تنفيذه هذا العمل الجليل. غفر الله له ورحمه وكتب له أجر المحيا والمرض والممات، وخلفه في عقبه بخير.

ahmalassaf@

الرياض- الأحد 06 من شهرِ شعبان عام 1447

25 من شهر  يناير عام 2026م

Please follow and like us:

8 Comments

  1. صليت قبل يومين في مسجده جميل جدا ورائع يشرح الصدر
    رحمه الله تعالى وغفر له ورفع درجاته وجعل قبره روضة من رياض الجنة وجعل خير أيامه يوم لقاه وجزاك الله خيرا وأحسن إليك على هذه المقالة التي عرفتنا بشخصية جليلة

  2. سيرة حميدة فيها صبر وكفاح واحتساب
    غفر الله لنا وله ورحمنا وإياه برحمته الواسعة
    وشكر لك أخي أن عرفتنا بهذا العلم المفضال الكريم

  3. اسأل الله العلي القدير ان ينزل الشيخ غالب الحمد فسيح جنانه ويخلف على اهلة وذوية بخير الخلف ويلهمهم جميل الصبر ،، تقف الكلمات حائرة باكية عند فراق الشيخ غالب رحمه الله فقد بكيته بدموع حراء اذ ارتبطت به برابطه قوية منذ مطلع العام 1992 اي قرابة 33 عام لا بل كنت لصيقا به واحتفظ لنفسي بذكريات لا حد لها و كثير ما يسطحبني بسيارته الى الديرة ومناطق ذكرياته ،،، كان مدرار عطاء و شوطه طويل في سبل المكارم والاحسان ،، لم اعرف او اقراء عن شخصا بارا بوالدية مثله،،، تملكني اليوم شعور اليتم ولا غرابة فقد كان يعاملني معاملة الابن …. كان ذلك الرجل الذي وصفت اخ احمد واكثر واكثر رحمه الله …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

X (Twitter)