سياسة واقتصاد عرض كتاب

دنانير العباسيين: وثائق لا تنام!

الاهتمام بأمر يولد التفرد فيه بعد توفيق الله، وقد قرأت فيما سبق تعجب الوليد بن عبدالملك من فهم شاعر من عوران العرب للحمر الأهلية ووصفها الدقيق في كل شأنها حتى قال الخليفة: لقد ظننت أن أحد والديه حمار وحشي! ومن لطيف مرويات المثقف الأرجنتيني “ألبرتو مانغويل” ما نقله عن العالم الأمريكي “أوليفر ويندل” الذي قال: يجب على كل مكتبة أن تكون مكتملة في شيء ما حتى لو كان هذا الشيء تاريخ رؤوس الدبابيس! هي إشارة بارزة لأهمية التخصص التي ينتج عنها “عبقرية الاهتمام”.

أقول ذلك وأنا على وشك الكتابة عن ثالث موسوعة سعودية عربية سباقة، بعد أن كتبت عن أختيها؛ فهذه المسوعات حدث علمي أكثر من كونها كتبًا مطبوعة. عنوان الموسوعة الأولى: موسوعة الدنانير والدراهم الأموية، تتكون من مجلد واحد يقع في (415) صفحة، صدرت الطبعة الأولى منه عام (1443=2021م)، وعنوان الثانية: موسوعة الدنانير الإسلامية في المشرق من سنة 132ه حتى سنة 922ه، وصدرت الطبعة الأولى منه عام (1445=2024م)، ويتكون من مجلدين مجموع عدد صفحاتهما (1110) صفحات.

أما الموسوعة الثالثة الجديدة فعنوانها: موسوعة الدنانير والدراهم العباسية، تأليف: علي بن إبراهيم العجلان، وتتكون من جزئين يحتويان على (1422) صفحة تجمع كل ما سُك من دنانير ودراهم عباسية. صدرت هذه الموسوعة عام (1447=2025م)، وفيها تصنيف، وتوثيق، وتحقق، بطباعة أنيقة فاخرة في حجمها، وصفحاتها، وألوانها، وتصميمها، مما يجعل تكلفتها عالية. هذه العناية تشير بجلاء دون عناء لمنزلة هذه المادة العلمية في قلب المؤلف الذي شغف حبًا بالمسكوكات والعملات منذ يفاعته.

تضم هذه الموسوعة (14865) دينارًا ودرهمًا عباسيًا غير مكرر، وتحصر المدن التي سُكت فيها هذه الدنانير والدراهم العباسية، وبلغ عددها (416) مدينة، وهذا مؤشر على اتساع الدولة، وطول عمرها، وامتداد سلطانها ولو اسميًا، فإن مدن السك تعلن عن “السيادة”، وكتابة اسم الخليفة تؤكد “الشرعية”. كما تتبعت الموسوعة الدنانير والدراهم المسكوكة في عصر كل خليفة عباسي، وعددهم سبعة وثلاثون خليفة، أولهم السفاح وآخرهم المستعصم، وبينهما أسماء عظيمة كالمنصور، والمهدي، والرشيد، والمأمون، والمعتصم، والمتوكل، وهذا التتبع ينبئ عن مستوى ازدهار الاقتصاد في عهد الخليفة، ومدة الحكم، ومدى قوة السلطان.

اعتمد المؤلف الأستاذ العجلان في كتابة موسوعته الثالثة هذه على حصر الدنانير والدراهم العباسية بعد الرجوع إلى ما نشر في المراجع العربية والأجنبية، وما عرض في المتاحف العربية والعالمية، وما طرح في المزادات العالمية أو المواقع الإلكترونية. هذا الحصر الدقيق بمتابعة واستيعاب يخبر عن باحث متيم بالموضوع الذي اختص فيه؛ فهو ليس هواية عبارة، ولا موجة عارضة، وإنما أمر عقدت عليه الخناصر، واستودع في الضمائر، ونشطت لأجله الهمم، عبر عقود من الزمن حتى تبدت ثماره اليانعة فيما مضى، وفيما نستقبل من مؤلفات عجلانية في هذا الباب، علمًا أن القادم منها يخص العملات في الجزيرة العربية.

إن النقود والمسكوكات تتجاوز قيمتها الاقتصادية إلى انتصابها شاهدًا صادقًا على التاريخ والخلفاء وأولياء العهود والأمراء، هذا غير دلالاتها اللغوية فيما يخص الخطوط، والاقتصادية والاجتماعية والحضارية والدينية؛ إذ إن عملات المسلمين تشبثت بإبراز العقيدة الإسلامية وكلمة التوحيد، خلافًا لمسكوكات الأمم الأخرى التي انصرفت صوب الصور والشخصيات فقط، فالعملات فن مركب من عدة علوم وفنون.

وفي عالم “النقود” الذي أبحر فيه المؤلف العجلان حديث لافت عن عناية الخلفاء والدولة بعملية “السك” وما تستلزمه من جودة ونقاوة ووزن وبُعد عن أي خلل يفقد العمل الثقة والقوة. إن العملات قد يسرت للمؤرخين والباحثين دراسة النظام السياسي والاقتصادي والإداري للدولة العباسية، ولم تخل هذه المسكوكات من غايات سياسية وإعلامية فيما يكتب عليها، وهو ما أشار إليه الباحث عندما درس التغيرات التي طرأت على الدنانير والدراهم، وهذا مسلك مفهوم معهود مستمر.

وحتى تستبين لنا قيمة هذه العملات، يروي المؤلف الأستاذ علي العجلان أنه حضر مزادًا عليها في لندن، وبدأ المزاد على قطعة منها بمبلغ ابتدائي متوقع هو (4000) جنيه أسترليني، مع وضع سقف للسعر الأعلى المتوقع لا يتجاوز (6000) جنيه إسترليني، لكن المفاجأة أن المزاد تضاعف حتى وصل سعر هذا الدرهم إلى (37000) جنيه إسترليني غير عمولة دار المزاد البالغة ٢٠ ٪ من القيمة، والسبب أن القطعة مكتوب عليها في الأسفل: “موسى رسول الله”، والمشتري شركة يهودية في “إسرائيل”! كان هذا المزاد -فيما يبدو لي- صراعًا على امتلاك رواية تاريخية!

إن إصدار النقود مؤشر على درجة التحضر في المجتمعات كما نقل المؤلف أ.علي العجلان الذي ايتدأ اهتمامه بهذا العلم منذ أزيد من خمسة عقود، وهو -حينذاك- فتى يسكن المدنية النبوية، ويتعامل مع الحجاج القادمين من أصقاع الدنيا، وثبت على شغفه حتى تفرغ له بعد التقاعد.  كان ذلكم الفتى يستقبل في أزقة المدينة النبوية عملاتِ الدنيا المحمولة في أكفّ الحجاج، ليصنع منها لاحقًا خريطةً لمسكوكات مهمة في فهم واحدة من أعظم إمبراطوريات التاريخ.

فالنقود كما نقل المؤلف هي الوثيقة التي اجتمعت لها كل مستلزمات الوثائق من تاريخ ومكان وغاية وهدف، بل هي في الواقع صورة للحدث نفسه، فلا عجب أن يقول عالم المسكوكات الأمريكي الدكتور “جورج مايلز” في مقدمة كتابه بعنوان: التاريخ النقدي لمدينة الري: “لا يوجد حقل في التاريخ خدمته مسكوكاته بالقدر الذي خدمت به المسكوكات الإسلامية التاريخ الإسلامي”.

إن مسكوكات تاريخنا لشاهد صادق على حضارتنا، وسجل أمين للأحداث في أمتنا، وما أجدر خبراء المسكوكات في المملكة العربية السعودية بمجتمع يضمهم، يتولاه جهاز حكومي أو مؤسسة أهلية؛ كي يزداد الالتفات إليهم، ولما تحويه صدورهم من علم، ومجموعاتهم الشخصية من مسكوكات، فبعضهم -مثل العجلان- اسم معتمد هو وموسوعاته عالميًا، وربما أن بعض القاطنين إلى جواره لا يعرفون شيئًا عن تلكم الموسوعات المرجعية التي أعادت للمسكوكات هيبتها، وأصبحت سفارات علم متنقلة، مكونة من ذهب وفضة، وتنسب لعالم خبير من السعودية!

ahmalassaf@

الرياض- السبت 28  من شهرِ رجب عام 1447

17 من شهر يناير عام 2026م

Please follow and like us:

2 Comments

    1. أهلا حبيب، ومرحبا بالأحواز وأهلها: أنا لا أشتري العملات. شكرا لك
      Hello Habib, and welcome to Ahwaz and its people: I’m not interested in buying. Thank you

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

X (Twitter)