ناقشني بعض الأصحاب عن استخدام الذكاء الاصطناعي في الكتابة وفي الحديث، وبعضه نقاش ابتدائي، أو تفاعلًا مع مقال كتبته عن هذا الموضوع. أحببت بعد الفراغ من النقاش معهم حفظ ذلكم الحوار وفق الرأي الذي أقتنع به. من لافت ما قاله بعض المشاركين: صار كل أحد كاتبًا بعد الذكاء الاصطناعي! ومن لطيف ما قرأته رأي الكاتب د.زياد الدريس وخلاصته أنه لا يستسيغ الاستعانة بإنسان فيما يكتب فكيف بالذكاء الاضطناعي؟ ولو فعل لذيل المقال بعبارة كتبه زياد وشركاه!
أنا لست مع هذا الرأي على إطلاقه، وإن كان فيه اعتداد وثقة واستقلال، وهي خصال كريمة لا تتنافى مع طلب الرأي والمشورة. بالمقابل أمقت من يستفيد من الذكاء الاصطناعي ثم ينقل ما تقذفه إليه التطبيقات والأدوات كما هي دون تغيير. ما هو الحل إذًا؟ هذا السؤال يختلف الناس في الإجابة عنه، وسوف أذكر جوابي أدناه بناء على علاقتي القديمة مع الكتابة والتحرير والتدريب عليهما، مع القدرة على استخدام الذكاء الاصطناعي فيهما.
خلاصة الرأي الذي أذهب إليه، أن علاقة الكاتب والمتحدث مع الذكاء الاصطناعي لا تخرج عن واحدة من أربعة طرق هي:
الأولى: عزلة المبدع:
هذا المنهج وخلاصته القطيعة التامة مع الذكاء الاصطناعي قد يقبل في بدايات وفود الذكاء مثل أيامنا هذه، بيد أنه في المستقبل سيغدو خيارًا صعبًا خاصة مع التطور المذهل المتوقع لتطبيقات الذكاء وأدواته. هذه القطيعة يراها بعض الكتّاب المحترفين، لكن آخرين رفضوها دون أن يؤثر موقفهم على قدراتهم الكتابية ما دام موقفًا متزنًا.
الثانية: شراكة المراجع:
التعامل هنا مع الذكاء على أنه مراجع خارجي للنص. لهذه الطريقة أسس سوف أذكرها لاحقًا لتشاركها مع الطرق الأخرى، وله ضوابط على رأسها ألّا يؤخذ برأيه دون تدقيق. وهذا التعامل على صنفين، أحدهما: أن يطلب منه الحفاظ على النص وذكر مقترحاته مستقلة وهو الأفضل، والثاني: أن يتاح له التعديل المباشر على النص وهو مالا أحبذه. من نافلة القول هنا أن مقترحات الذكاء تشمل الفكرة، والبيان، والوضوح، وسلامة اللغة، وغيرها.
الثالثة: المساعد المحترف:
هنا يمنح الكاتب الفكرة للذكاء الاصطناعي كي يصيغها مع مراعاة الأسس والضوابط الآتية، وقد يعطي الكاتب أو المتحدث للذكاء بعض المعلومات كي يسترشد بها، وربما يطلب المستخدم من الذكاء إمداده بمعلومات تخدم فكرته، وهذا الاستمداد مفيد شريطة الحذر من الخلط الذي تعاني منه هذه الأدوات، ومن القدرة على التوليد والابتكار دون حدود، وبأخطاء فادحة فاضحة أحيانًا.
الرابعة: فخ التواكل:
أي إحالة الكتابة برمتها للذكاء الاصطناعي؛ فيصنع الذكاء الفكرة ثم يكتبها بأسلوبه بناء على طلب المستفيد، وهذه مصيبة كبرى في عالم الثقافة والفكر والتأليف حتى لو تطورت أدوات الذكاء؛ لما فيها من عريض الدعوى، والتشبع بالمعدوم، ومنافسة أهل العلم والمعرفة الحقيقية من قبل أناس بلا أصول علمية، ولا منطلقات فكرية. يبقى أن هذه الطريقة مفيدة إذا جعل المستخدم من الذكاء مساعدًا أو معلّما، ثم استغنى عنه أو عن أكثر جهوده بتطوير قدراته الشخصية.
بالنسبة لي أرفض الأولى لما فيها من التحجير واسعًا، وأرفض الرابعة رفضًا قطعيًا لتيقن الغش والخداع في الاعتماد عليها، ولأنها تخالف جوهر الكتابة، ولا أرتاح للثالثة بسبب الاتكالية الجالبة للكسل الثقافي والكتابي مع احتمالية الخبط فيه خبط عشواء في ليل بهيم، وأتقبل الثانية كما نصنع مع أي مراجع أو محرر من البشر، لكن وفق بعض الشروط والضوابط، التي يأتي على رأسها ألّا نسلّم لهذا الوافد الكبير بما يقترحه، فلا مناص من فحصه بالمراجعة.
ثمّ أنسنته تخليصًا له من شوائب “العقل الرديف” للتقنية الخالية من الروح والعاطفة، فبعض مقترحات الذكاء الاصطناعي مثل المنتجات التي عبثت بنقاوتها وطبيعتها الصحية المواد الكيمائية؛ فنفختها مضيعة للطعم والرائحة والفائدة، وربما جلبت الضرر. إن “الأنسنة” تظهر صوت الكاتب، وتبين عن لغته، وتجلي موقفه ومبادئه، وتوضح سياقاته الثقافية والحضارية، وهي مدخلات ذاتية لن تبلغ الخوارزميات كنهها، ولن تدرك حقيقتها. إن للكتابة روحًا تموت النصوص بضعفها فضلًا عن غيابها.
أما الأسس التي يحسن بالكاتب والمتحدث الانتباه لها إذا قرر الاستعانة بالذكاء الاصطناعي، فمنها:
- أخبره بأن يتعامل مع النص كما لو كان كاتبًا أو متحدثًا.
- حدد له تخصص صاحب النص كي لا يحيد عنه.
- وضح له الجمهور المستهدف في عمقه، وعمره، ومخالفته من موافقته.
- بين له أين سوف ينشر العمل أو يلقى، وإذا كان سيلقى فاسأله عن مقترحاته في كيفية إلقاء المادة.
- أطلب منه ألّا تتعدى مدة قراءة النص أو إلقائه العدد المناسب من الدقائق.
- أصدر له أمرك الصريح بألّا يعبث بالنص، وألّا يضع معلومة ظنية، وأن تكون مقترحاته في فقرات منفصلة عن النص.
- احذر من بعض الكلمات والأساليب الشهرة المستخدمة في الذكاء الاصطناعي.
- لا تقع في شراك أداوت لا عاطفة لديها، ولا تستطيع تقمص الحس البشري، ولا تفهم معنى الدهشة، ولذا يمقت الذكاء البلاغة والفصاحة، ويتضايق من الأمثلة، ويبني رأيه على منطق إحصائي؛ فلا تسمع لرأيه التقني الصرف، واضرب به عرض أي حائط قريب منك!
- يمكن أن تعطيه روابط فيها شيء من أعمالك كي يدرسها ويتناغم معها. المشكلة في هذا أنه لو أجاد المحاكاة فلن يأتي إليك بالجديد!
يا كاتبنا المعاصر، ويا كاتبتنا المعاصرة: لقد امتن الله علينا وعليكم بنعم كثيرة، منها الذكاء الاصطناعي المعين على البحث والمراجعة والكتابة، فمن الحكمة اهتبال هذه الفرصة، واغتنامها لتجويد العمل وتحسينه وزيادته متانة وعمقًا؛ ولنجعل شعارنا: ليكن الذكاء الاصطناعي خادمنا المطيع، لا شريكًا مغالبًا، ولا عكازًا يتسبب في ضمور التفكير أو عفونة العقل، حتى يظل النص صوتًا خاصًا لنا، ومعبرًا عن أنفسنا، وليس صدى لحكاية غيرنا!
وستبقى الكتابة وما يدور في فلكها شانًا بشريًا خالصًا مهما تكاثرت دروب الذكاء الاصطناعي وأدواته، ولن ينافس الإنسان فيها آلة؛ فالآلة بأمر بني آدم تفكر وتسير، ومهما تطورت هذه الخدمة، فسوف نكتشف النص البشري الصرف في مستقبل يعج بالنصوص المهجنة أو المصنعة! مهما تطورت فسيبقى حنين الإنسان للأصالة، ولمشاعر أخيه الإنسان المنبعثة من طبيعته البشرية، وليست تلك الناتجة من آلة بلا نبض قلب، ولا إحساس نفس، و معالجة عقل.
الرياض- الجمعة 27 من شهرِ رجب عام 1447
16 من شهر يناير عام 2026م
8 Comments
ما أجمل الإعتدال في كُل الأحوال
سياسة الرفض لكل جديد غير سديدة يتغير الزمان ويتبدل المكان وتتسع الرؤية وتتضح الفكرة ، الموقف الأوحد بالرفض التام مشكلة والانجراف التام تجاه أي جديد مشكلة أيضاً،
الذكاء الاصطناعي وضع لتسهيل حياة الجميع
فكما أنك طرحت هنا الطرق المُثلى للاستفادة منه بالنسبة للكاتب ، فهناك طُرق أُخرى يستفيد من خلالها القاريء من الذكاء الاصطناعي
فهو جميل جداً في تلخيص الفكرة وتحديد الأطر العامة للمقال او الكتاب ويلخص ابرز ما طُرح ويسوق الأمثلة المكتوبة والمشابهة وينقد ويطرح أفكاراً و خُططاً للا ستفادة مما اطلع عليه في توجيه فكري او عملي للقاريء
لكم التحية والشكر أخي الآسر؛ فأنت أحد أسباب كتابة هذا المقال!
مقالة بديعة والتفاته ذكية في هذا المقال الذي يستعرض لنا ميثاقًا أخلاقيًا للكتابة في زمن الذكاء الاصطناعي، وراق لي كاتبنا العزيز أن مقالتك لا تقوم على الرفض المتشنج ولا على الارتهان الكسول، بل على أنسنة العلاقة بين الإنسان والأداة. فالفكرة الجوهرية أن الذكاء الاصطناعي قد يكون معينًا نبيلًا أو فخًا ماكرًا؛ الفارق تصنعه يد الكاتب ووعيه.
من أروع ما قرأت فكرة هذه المقالة ودعوتك لأنسنة النص: وتخليصه من برودته وردّ الاعتبار للروح، واللغة، والدهشة، والسياق الإنساني الذي لا تُتقنه الآلة. تشبيه الذكاء بالمواد الكيمائية التي تنفخ المنتج وتفقده طعمه تشبيه بليغ يختصر الموقف كله.
هذا نصٌ واعٍ يُنقذ الكتابة من ثورة النصوص المقولبة، ويعيدها إلى أصلها، فعلٌ بشريٌّ حيّ، يَستأنس بالأداة ولا يذوب فيها، ويظل—مهما تطورت الآلات—صوتًا له احساس.
شكرا لكم
أكثر ما يفعله الكتّاب الجادون مع من حولهم ..
يرفعون السقف ..
لا يكسرونه .
وهذا المقال رفع السقف ..
ليس لي وحدي ..
بل للمشهد كله .
وأقولها لكم بوضوح ..
هذا المقال اراحني فكريا ..
وأعاد ترتيب العلاقة مع الأداة ..
بعيدا عن الإفراط والتفريط .
أتعلم منكم دائما ..
ان المعيارليس الأداة ..
بل الوعي بها .
شكرا لهذا البيان المتزن ..
الذي يعيد للكتابة روحها ..
وللكاتب مسؤوليته .
وبارك الله في علمكم وقلمكم ..
وجعل أثركم وعيًا ممتدًا ..
ونفعًا لا ينقطع .
شكرا لكم
مقالة نافعة. نفع الله بكم.
إلى يومي هذا لم استخدم الذكاء الاصطناعي إلا ثلاث مرات، كانت في البحث عن دراسات سابقة لموضوع علمي.
ولم أجد فيه كبير فائدة، ولعل السبب عدم معرفتي الكافيه بطرق استخدامه.
مقالتكم هذه جعلتني أعيد النظر في موقفي من الذكاء الاصطناعي.
بارك الله فيكم دكتور ونفع بك
بالتوفيق د. امينة. سوف أرسل لك مادة علمية حول كيفية الاستفادة، وهي موجودة في قناتي بالتليقرام.