إدارة وتربية شريعة وقانون

سورة البقرة: سنام يكشف وجوه الحقائق!

أكثرنا يعلم أن القرآن الكريم هو المعجزة الخالدة للنبي الأكرم محمد -صلى الله عليه وسلم-؛ فقد كانت معجزات من سبقه من الرسل -عليهم الصلاة والسلام- آنية لا بقاء لها إلّا بالرواية، أما كتابنا فهو أمامنا يتلى ويسمع ويحفظ ويتدبر ويأتي بالحجة تلو الحجة، والإعجاز بعد الإعجاز. فوق ذلك هو محفوظ من التحريف فنسخته واحدة في كل عصر وموضع وطبعة، وهذه خصيصة له من بين سائر الكتب السماوية.

وقد ارتبط كتابنا المقدس المحفوظ بالبيان الذي يخلب اللب ويأسر الأذن ويسري في الروح؛ ولذلك لم تقاومه صناديد قريش وفصحاء العرب، فأسلم من أثره أو كاد أسماء ضخمة مثل عمر الفاروق -رضوان الله عليه-، والأعشى -صناجة العرب- لولا أن الكفار غشوه فهلك قبل أن ينجو. إني لأعجب من أي دعوة لا تجعل القرآن الكريم أمامها، فهو الذي لا يصمد أمامه شيء، وفيه تبيان كل شيء، ولا يستعلن بعدائه إلّا زنديق خسر الآخرة، وسوف يخسر دنياه كذلك.

كما يعلم أكثرنا أن سورة البقرة هي أطول سور القرآن، وأعظها، ولها أسماء عدة، وخصائص كثيرة. هي سورة تكاد أن تكون مشتملة على جميع موضوعات القرآن الكبرى. هي سورة وقفت بنا على حقائق من طبائع المنافقين والكفار واليهود، وهذه الطبائع لا تفيد المسلم العادي فقط، وإنما تفيد جميع من وفقه الله للاهتداء بأنوار كتابه وفيوض الحكمة الجارية في سوره وآياته، وبينها، وفي سياقاتها وترتيبها.

من عظمة هذه السورة أن حوت أعظم آية وفيها تقديس للذات الإلهية، وأطول آية تحفظ حقوق الناس، وآخر آية نزلت وفيها عظة زاجرة، وآيتين بهما الكفاية لمن تلاهما وهما آخر السورة. ومنها أن خصت آية الكرسي بجعلها من أذكار الفراغ من الصلاة، وأذكار طرفي الليل والنهار، وأذكار النوم، وما أسعد من قرأها قبيل خاتمته التي لابد منها لكل حي. من عظمة هذه السورة الإشارة من خلال تعداد آياتها إلى أنها جمعت معاني القرآن الكريم؛ فآياتها (286) آية، فلكأنها ضمت التوجيهات الواردة في (86) سورة مكية، وفي (28) سورة مدنية.

كذلك هي أول سورة نزلت في المدينة بعد مهاجر النبي -عليه الصلاة والسلام- لها، وتأسيس أول كيان إسلامي على منهاج النبوة، فجاءت سورة البقرة التي ترسخ لدى المسلم مفهوم الاستخلاف في الأرض، وعمرانها، وإقامة شؤون الأفراد والمجتمعات والدول كافة وفاق مراد الرب الجليل سبحانه، وأي هناء وغناء وقوة اجتمعت للبشرية في مثل هذه الحال النادر وقوعها. إنها سورة جديرة بأن تكون في مناهج جامعية بكليات القانون والإدارة وعلم الاجتماع والسياسة ولا تقتصر على كليات الشريعة والدراسات الإسلامية. إن القرآن الكريم كتاب سيادي لا يُعلى عليه البتة، وسنامه سورة البقرة سورة تصف السيادة والاستعلاء بالله وأمره، وتثبت أن حق التشريع الابتدائي خالص لله رب العالمين.

وفي هذه السورة العظيمة أحكام فقهية كثيرة، ففي آية الدين وحدها بضعة عشر حكمًا. وفيها أمثال وحكم جديرة بالدرس المتعمق. وفيها لغة وبيان وأساليب؛ ولا غرو فهي الأطول، وكلماتها تجاوزت ستة آلاف كلمة، وحروفها أكثر من أربعة أضعاف عدد كلماتها. وهي في الدنيا تستجلب البركة، وتطرد الشياطين، وتقاوم السحرة، وتحفظ البيوت، وفي الآخرة تحاج عن صاحبها، وتكون له مثل الغمامة في يوم طويل حارة شمسه الدانية من الخلائق. إن سورة البقرة عملية تطهير لوعي الإنسان من ضجيج الوساوس، وإعادة ضبط لإيقاع النفس على مراد الله.

لقد هدى الله بعض خلقه للعيش مع هذه السورة الجليلة الكريمة، ولهم معها أحوال قمينه بالإشهار من باب الاقتداء والتحفيز. إن قراءتها يوميًا في البيت أو في غيره لمن أيسر الأعمال شريطة وجود شيء من العزم والصبر، والاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم، ومن أجهزة الاتصال وما فيها من تطبيقات التواصل، ولن تطول المدة بقارئها، بيد أنه بعد فراغه من أول ثمانين آية، سيجد نفسه منطلقة أكثر مما مضى مع مئتي آية باقية من سورة البقرة، وسيكتشف أنها تسكن في نفسه، وتملؤها طمأنينة وانشراحًا.

ومن التحديث بنعمة الله، أن المملكة العربية السعودية، قد نصت في نظامها الأساسي للحكم، على المرجعية العليا للقرآن الكريم، وكان لملوكها وأمرائها مع الكتاب العزيز شأن لا ينكر. من ذلك تأسيس الملك فهد -رحمه الله- مجمعًا كبيرًا بالمدينة النبوية لطباعة المصحف الشريف، والعناية الكبيرة بجمعيات تحفيظ القرآن الكريم بالرياض على وجه الخصوص وفي المملكة بعامة من لدن خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان-حفظه الله ورعاه-.

أما فيما يخص سورة البقرة، فأنقل عن صديق يروي عن أبيه الذي سمع من والده أنه عندما كان طفلًا تولى قيادة أبيه الضرير للآذان أو الصلاة في مسجد قصر الملك عبدالعزيز. كان من مهام هذا الفتى -جد الراوي- أن يذهب في هدأة الليل وسكونه، إلى داخل قصر الحكم الشامخ، ثمّ يسير مع إحدى العاملات؛ فيدخل وحيدًا إلى غرفة بهية تملؤها الهيبة، كي يقرأ سورة البقرة بين المغرب والعشاء، ومن التكرار علم أن هذه الغرفة الأنيقة هي التي سوف ينام بها الملك عبدالعزيز -رحمه الله-.

إن من جرّب أن يجعل لسورة البقرة وقتًا ثابتًا في يومه، اكتشف بعد زمن قصير أن علاقته بالوقت، وبالنفس، وبالفوضى من حوله لم تعد كما كانت؛ لذلك أرجوك رجاء المحب الناصح، أن تجعل حصة من يومك لتلاوة القرآن، وحصة أخرى لقراءة سورة البقرة، فوالله إن البركات لتزداد كلما زادت حصص القرآن العظيم في وقتك وحياتك وتعليمك، وإن البركة لتنقص وتغيض كلما أقصي القرآن العزيز عن الحياة الخاصة والعامة. ثم سبح بحمد ربك، وأشكره حامدًا مثنيًا على نعمة القرآن وسورة البقرة، وصلّ وسلم على سيدنا النبي الخاتم الذي نقلها لنا، وحثنا عليها في أحاديث صحاح كثيرة.

وعقب مدة من الدربة والتعود على التلاوة اليومية لها -إن شئت-؛ لك أن تدخل في البحث عن تفسير هذه السورة، وتدبر غزير معانيها، فعنها كتب مفردة مؤلفة، هذا غير كتب التفسير التي اعتنت بالسورة الثانية حسب ترتيب سور المصحف الشريف، ولا تستكثر ولا تستعجل؛ فعمر وابنه العالم العابد عبدالله -رضي الله عنهما- قد فرغا منها بعد عشرين عامًا؛ ولا غرو فمن دخل إلى سورة البقرة باحثًا عن الأثر، خرج منها محمّلًا بالمنهج، فهي سورة الانتقال من الإيمان المجرد إلى الإيمان المُنظِّم للحياة، ولن يخرج منها إنسان على الحال التي دخل إليها بها.

ahmalassaf@

الرياض- الخميس 19 من شهرِ رجب عام 1447

08 من شهر يناير  عام 2026م

Please follow and like us:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

X (Twitter)