جئت إليكم -يا أهل الرواد- أحمل أربعًا من التهاني لا تهنئة واحدة فقط! أول تهنئة سأخبركم عنها في آخر اللقاء، ومثلها الأخيرة، وما بينهما يلحق بهما ولا مناص! سبب التأخير إلحاح سؤالين أساسيين عليّ هما:
- لماذا تبقى بعض الشركات مئة عام، بينما تختفي أخرى خلال سنوات، مع أن المال والتقنية وغيرهما متوافرة للجميع؟
- هل ترضى أن تربط سيرتك المهنية بشركة متلاشية أم باقية؟ وهل تحصر مسيرتك الحياتية بكيان مؤثر أم عابر لا يذكر؟
وأود قبل البدء بالجواب الثناء على فكرة هذا اللقاء الاحتفائي السنوي؛ فالرواد لا يُقاسون بما سبقوا به غيرهم فقط، بل بما تركوه لمن يأتي بعدهم، والعراقة في حقيقته ليست أن تكون الأول، بل أن تبقى مرجعًا. إن الحقيقة التي نصل إليها هي أن الشركات لا تموت حين تخسر السوق فقط؛ بل تموت حين تفقد معناها!

أولًا: لماذا نتحدث عن العراقة؟
في زمن السرعة، والخوارزميات، وتبدّل الأدوات كل عام، أصبحت العراقة ليست ترفًا أخلاقيًا، بل شرط بقاء! وفي عصر الذكاء الاصطناعي، لم يعد السؤال: ماذا تستطيع التقنية أن تفعل؟ بل: أي قيم ستقودها؟
إن العراقة مصدر فخر، وسبيل انتماء، وتأكيد ثبات. هي مبادئ منها تستمد القوة، وإليها يركن الحكماء من أجل مستقبل أجمل.
ثانيًا: ما معنى عراقة الكيانات التجارية؟
قد نرى شركة شابة عمرها بضع سنوات، لكنها عريقة في سلوكها، وقد نلاحظ شركة تجاوز عمرها عدة عقود… لكنها هرِمت أخلاقيًا! إن عراقة الشركة لا تُختزل في طول عمرها الزمني، بل هي حالة مركّبة تتكوّن من أربعة أبعاد متداخلة:
- الاستمرارية عبر الأجيال دون فقدان الهوية: في الرواد التحق مع الفريق الحالي الجيل الثاني من أبناء منسوبي الشركة.
- القيمة المتراكمة: أخلاقية، مهنية، معرفية، لا مالية فقط. ولا تنفصل قيم الرواد الخمسة عن ممارساتها الإدارية والتجارية: الأصالة، الريادة، التعلم، نفع الناس، المصداقية.
- القدرة على التجدد دون الانسلاخ عن الجذور: فازت الرواد بوكالة مناهج عالمية، لكنها وائمتها مع الثقافة المحلية.
- الشرعية الاجتماعية: أي قبول المجتمع لها وثقته بها: إن سمعة أسرة الخلف ومجموعة الرواد قيمة مضافة للعلامة التجارية.

ثالثًا: من معالم العراقة:
خدمة المجتمع:
الخدمة ليست بالوقف والمنح والمسؤولية المجتمعية فقط، إنها أبعد من ذلك. هي خدمة بالإحسان والإتقان، خدمة بالتوظيف والتثمير، خدمة بسد الثغرة، خدمة بتحصيل مكانة مرموقة للبلد، وقد ساهمت الرواد بتحقيق المملكة المركز الثاني في الحوكمة الرقمية، وتحسين ترتيبها في مؤشر الأمم المتحدة لتطوير الحكومة الإلكترونية.
كما نجد عند الرواد: الرسوم المخفضة لحفظة القرآن، للأيتام، لذوي الحاجات، لأصحاب المنجزات، والمتفوقين. وعندما اشترت لمدارسها موقعًا في حي مزدحم، بادرت بالكتابة للجيران معتذرة عن الازدحام، ومع الرسالة طبق من الحلوى، وخصومات دراسية خاصة لأولادهم!
من الأمثلة على خدمة المجتمع، ما تفعله “مجموعة تاتا الهندية”، وهي أعظم متبرع في العالم خلال مئة سنة؛ إذ خصصت ثلثي أسهمها لصناديق وقفية على المشروعات الخيرية والتنموية في مجالات البحث العلمي والاجتماعي والتدريب، والخدمات الصحية والبيئية والتقنية والفنية. من الأمثلة ما صنعته “شركة أرامكو السعودية” بتأهيل المواطنين وتدريبهم، وبناء المدن والمدارس والمستشفيات، وبذلك اندمجت في النسيج الوطني. وعند “شركة تويوتا اليابانية” فلسفة كايزن أي التحسين المستمر التي انعكست على ثقافة عملها، وجودة منتجها، وتقدير المجتمع الياباني لها.
إن الشركات العريقة تتميز بما يلي:
- لا تتعامل مع المجتمع بمنطق: نحن نعطيكم، بل بمنطق:، نحن جزء منكم.
- استثمارها في التعليم وفي العمل لا في الإعلانات فقط.
- بناء سلاسل توريد محلية، وتستقدم الخبرة والمعرفة لبلادها.
- احترام البيئة حتى عندما لا يُجبرها القانون. هو احترام للأشجار والتربة والصحة، واحترام للمجال العام، واحترام للنظام والإنسان.

وضوح الهوية قبل تنوع الأنشطة:
الشركات التي تفقد العراقة:
- تغيّر جلدها كل عقد.
- تتبع السوق بلا بوصلة.
أما الشركات العريقة:
فتتغير فيها الأدوات، لكن الرسالة ثابتة. المثال على ذلك: شركة سيمينز الألمانية التي انتقلت من التلغراف إلى الطاقة والصناعة والرقمنة، لكن جوهرها بقي ثابتًا: الهندسة لخدمة المجتمع، لهذا استمر اسمها مرادفًا للجودة الألمانية.
وهكذا مجموعة الرواد تتجدد وتستجيب لحاجات السوق؛ فأسست شركات للمناهج الدراسية، وأخرى للاستشارات الإدارية، وثالثة للبحوث، ورابعة للقيم المؤسسية، وقبلها شركات التعليم العام، واليوم هي بصدد تأسيس جامعة. إن جوهر عمل الرواد هو المعرفة والعمل في ميادينها، والعمل الدؤوب على نشرها.

الحوكمة للعمل وللعائلة:
كثير من الكيانات تسقط في الجيل الثاني أو الثالث لأن:
- العائلة تطغى على المؤسسة.
- القرابة تُقدّم على الكفاءة.
لكن الشركات العريقة:
- تفصل بين الملكية والإدارة، وهذا أحد مستهدفات مجموعة الرواد في عام 2027م، حيث ستدرج “كايزن” في سوق المال السعودي.
- تؤسس أنظمة أقوى من الأشخاص.
الشركات العائلية العالمية والمحلية تحكمها أسس متقاربة، وهي في المملكة تتجاوز 80% من الشركات. هذه الشركات عائلية في الأصل، لكنها:
- مؤسسية في الإدارة.
- صارمة في الجودة.
- انتقلت من مجرد مشروع تجاري أسري إلى منظومة محلية أو إقليمية أو دولية في مجالها: الغذاء، الصناعة، التقنية، التعليم، ….
حفظ ذاكرتها وسيرتها:
إن حفظ البدايات، والعوائق، والعثرات، ورفاق المسيرة، مئنة على العراقة والأصالة، وكثير من الشركات تحتفظ بسجلاتها حتى القديمة منها، والفائدة الأولى منها تصب في خانة الحفاظ على الذاكرةن وإنارة الدروب لمن يأتي.
خدمة الموظف: الإنسان قبل الوظيفة:
الشركات العريقة تعتقد أن:
- الموظف ليس تكلفة تشغيل، بل رأس مال اجتماعي.
- للموظف مسار واضح بشهادات مهنية وتعليم مستمر.
- العدالة الداخلية ضرورة.
- الأمان وظيفي مطلب.
- ثقافتها يجب أن تحترم الكرامة.
وهذا ربما من أسباب بقاء عدد من الحاضرين اليوم أمامنا لعقد أو عقدين أو ربما ثلاثة في منظومة الرواد. إن سبل خدمة الموظف كثيرة، ولدى الرواد تطبيقات عدة للموظف وأسرته، منها منح خصومات خاصة رمزية لأبناء صغار الموظفين في الشركة، والاستثمار بمواهب الأبناء تعليمًا وتدريبًا وتأهيلًا، ومنها تنظيم رحلات سياحية بتكلفة مخفضة للموظفين، ورحلات العام القادم 2026م ستكون إلى مكة، والمدينة، وحائل، والعلا.
لأجل هذا كله؛ فكثير ممن في هذه القاعة اليوم، لا يعملون في الرواد فقط، بل الرواد تعمل فيهم… طريقة تفكير، وأسلوب قرار، وأخلاق مهنة، وإسعاد أسرة.
وقد أقامت شركة IBM صرح عراقتها ليس على التقنية فقط، بل في قدرتها على:
- إعادة تأهيل موظفيها مع كل تحول تقني، والحمدلله أنه لمنسوبي كيان الرواد برامج أسبوعية في مستجدات الذكاء الاصطناعي وثقافة التغيير شارك فيها أكثر من مئة وخمسين موظفًا.
- عدم التخلي عنهم بسهولة عند الأزمات.

مبادئ عريقة:
- الاعتراف بالفضل للمؤسس ومن معه من قادة التحولات، وقد سمعت من رجال أعمال كبار قولهم: ابني الأكبر هو المؤسس الثاني، وشريكي في هذا الأمر. ورأيت عدة أثرياء شاركوا قدماء موظفيهم في مشروعات منفصلة.
- الالتزام بشرف المنافسة، فلا غش ولا خداع ولا مخالفات، بل ربما خرجت شركات كبرى من السوق حتى تفسح المجال لصغار المستثمرين فيه، خاصة أن لديها حقولها التي تبرع فيها وتتسيد.
- حسن العهد وبقاء الصلة: ولذلك نجد في كثير مناسبات الخلف موظفين عملوا منذ عقود ثم غادروا لأماكن أخرى، وهذا والله مما يبهج القلب ويخفف من وحشية السوق وماديته، ومن لطيف الموافقات أن حفل هذه السنة فيه تكريم لمن غادر من الموظفين.
- ذاتية الإصلاح دون حاجة لتدخلات أو تنبيهات خارجية.
- تصدير القيادات، والقاعدة هنا أن الشركة العريقة تقول: امطري حيث شئت، فأينما ذهب الموظف المؤهل فسوف يعود النفع منه طريقة أو أخرى، وما أكثر ما صدرت كيانات القيادات لغيرها كما نجد في سير كفاءات عملت في وزارة المالية، ومعهد الإدارة، وشركة أرامكو.
- الاحتفاء بالمنجز: هي ثقافة جميلة في الرواد وشركاتها فلا يخلو منجز من احتفال في مقرات الشركة أو في قاعات خارجية، ناهيك عن ولائم إن في استراحة آل الخلف العامرة أو بمزرعتهم الأنيسة.
- فلسفة الأعمال لديهم تقوم على التطوير لا التقليد؛ فأي فكرة مقتبسة تعبر في ممر يعرضها للتحسين والمراجعة.

في الاسم عراقة وقيادة:
- اسم “الرواد” كنز بلاغي وفكري، فحين تُسمّى شركة بالرواد، فهذا ليس اسمًا تجاريًا فقط، بل التزام أخلاقي يقتضي أن تسبق، لا أن تتبع، أن تزرع، لا أن تستهلك.
- حين تُسمّى شركة بالرواد، فهذا ليس وصفًا… بل مسؤولية خلاصتها أن تتفرد أخلاقيًا، لا تسابق زمنيًا فقط.
- إذا أردنا تعريف الرواد بجملة واحدة: فهي: كيانٌ يوسّع مجالاته… دون أن يُخفف من قيمه.
رابعًا: كيف تصبح الشركات عريقة؟
- العراقة لا تُشترى… بل تُبنى.
- الشركات العريقة لا تنشأ بعقلية الفرصة السريعة، بل بعقلية: نحن هنا لنبقى، لا لنربح فقط؛ فأعمالنا ليست ضربة واحدة وإنما غراس يعمّر. لهذا أنشأت مجموعة الرواد قطاعات جديدة في هيكلها متناسبة مع مجالات عملها: أحدها للتحول الرقمي، وآخر للتميز المؤسسي، وثالث للذكاء الاصطناعي، وتضع لكل قطاع قيادات وصفوفًا متعاقبة.
- الشركات العريقة لا تصنع الأثر لأنها كبيرة، بل تكبر لأنها مؤثرة.

خامسًا: كيف يخدم الموظفون الشركات العريقة؟
العلاقة هنا تبادلية أخلاقية، لا تعاقدية فقط، وهذه الخدة واجب منتظر من الموظف العريق، في الكيان العريق، فهم أهل الولاء الواعي لا الولاء الأعمى؛ ومن البديع ما يروى عن د.سعد الخلف بأن الولاء لا يعني البقاء في الكيان! ربما يقصد أنه كم من مغادر عنده ولاء باق بالمحبة والثناء والدعاء وجلب الفرص.
إن الموظف في الكيان العريق:
- لا يعمل خوفًا.
- ولا يعمل لمجرد الراتب.
- بل يعمل لأنه يرى نفسه جزءًا من قصة أكبر.
- لا يورّث منصبه… بل يورّث المعنى.
- ينقل المبادئ للأجيال الجديدة.
- يحافظ على الذاكرة المؤسسية؛ فإذا انقطعت الذاكرة، بدأت الشيخوخة المؤسسية.
هذا الولاء ينتج:
- حرصًا على السمعة.
- نقلًا للخبرة والمعرفة.
- مقاومة للخلل.
- توريثًا للثقافة لا المناصب.

سادسًا: كيف تنهار الكيانات التي تفقد عراقتها؟
بإيجاز:
- عندما تستبدل القيم بالأرقام فقط فهذا نذير خطر، ومن دواعي فخر منسوبي هذا الكيان العريق أن القيم هاجس شديد التأثير على قرارت الإدارة وتوجهاتها. إن التقنية تتغير كل عام، أما القيم… فهي التي تقرر إن كانت هذه التقنية سترفع الإنسان وتنفعه، أم تستهلكه وتؤذيه.
- عندما تهمل الإنسان لصالح التوسع.
- عندما تنفصل الشركة عن مجتمعها.
ومن أبرز الأمثلة شركة Enron التي كانت عملاقة ماليًا، لكنها بلا مبادئ مؤسسية؛ فسقطت مع كل قوتها، وكان سقوطها مدويًا.
أيها الزملاء والزميلات:
الكيانات العريقة لا تُبنى على العجلة، ولا تقوم على الضربات السريعة،
بل تُغرس كما تُغرس الأشجار:
ببطء،
وبصبر،
وبضمير حي.
هي كياناتٌ تخدم قبل أن تُطالب كما لو كانت الأم الرؤوم،
وتحترم الإنسان قبل السوق،
وتدرك أن الربح نتيجة لا غاية.
أما الموظفون فيها فهم ليسوا أدوات تشغيل،
بل حَمَلة هوية،
وحُرّاس ذاكرة،
وشركاء مصير.
لذلك أقول لكم:

قد تبني شركة خلال سنوات،
لكن بناء العراقة…
يحتاج إلى عقل يقظ،
وضمير حي،
لا إلى سرعة فائقة فقط.
وفي الاحتفال الختامي للرواد، نجزم أن الوعد القيمي أقوى من أي رقم، وأن ما تحتاجه المرحلة القادمة ليس توسعًا أسرع فقط، بل انضباطًا قيميًا أعلى، لأن النمو قد يصنع شركة أكبر، لكن القيم وحدها تصنع شركة أبقى.
وأختم كلمتي بإيراد مختصر للتهاني الأربع التي افتتحت بها:
- تهنئةٌ بمنجزٍ يُرى أثره في ختام العام.
- تهنئةٌ بشركةٍ تنوّعت مجالاتها دون أن تفقد هويتها، وارتقت بطواقمها قدر وسعها.
- تهنئةٌ بهذا الجمع البشري الكريم المتمازج حتى مع تعدد الخبرات والأعمار والبلدان والمسؤوليات.
- تهنئةٌ خالصة بقرب حلول شهر رمضان المبارك.
أسأل الله أن يديم لكم الريادة قيمةً، ويجعل العراقة فيكم سيرةً لا تُنسى، والتزامًا له معانيه واستحقاقاته… قبل أن يكون موقعًا للشركة في السوق.
الرياض- السبت 07 من شهرِ رجب عام 1447
27 من شهر ديسمبر عام 2025م
- نص كلمة ألقيتها – مع تغيير يسير- في الاحتفال السنوي الختامي لمجموعة الرواد في قاعة الفريدة بالرياض.