سياسة واقتصاد سير وأعلام عرض كتاب

فلسطين: مقاومة بالتاريخ والهوية!

حجّر واسعًا مَنْ يحصر المقاومة بالسلاح والقتال، وأزرى المحجّر المضيّق بكثير من الأعمال. من اقتصر لديه معنى المقاومة على جزء من القوة الصلبة فقد فوّت على الآخرين أنواعًا من القوة الصلبة والناعمة. إن المقاومة ميدان عريض ممتد، فيه الحركة -ولو كانت نظرة أو تبخترًا- والكلمة، فيه التراث -ولو كان أنشودة أو طعامًا أو لباسًا- والتاريخ وتراجم الأعلام، فيه علوم البلدان والإنسان، فيه الفنون والأطعمة والملبوسات ومفاتيح البيوت، فيه الأماكن بتفصيلاتها، والأوقاف على اختلافها، فيه صناعة القصة المرتبطة بالحق، والخاصة بأهل الحق كي تصبح لهم سردية محكمة مقنعة. إن المقاومة مارد كبير يفاجئ المعتدي وأشياعه في كل محفل وساحة؛ يقاتلهم بالسلاح، ويخيفهم بالكلمة، ويسخر منهم بالرسمة، ويفنّدهم بالمعلومة، ويفضح زورهم بالوثيقة والصورة، ويقاتلهم بأي شيء يرهق المحتل، ويخلخل تماسكه وتوازنه.

لذلك سعدت أيما سعادة بكتاب حديث الصدور عنوانه: فلسطين التاريخ والهوية، الذي أصدرته آفاق المعرفة عام (1447=2025م)، ويقع في (353) صفحة من الحجم المستطيل، وعلى غلافه صورة خريطة فلسطين منقوشة بالحروف والكلمات المقتبسة من نصٍّ للشاعر الفلسطيني محمود درويش “عَلَى هٰذِهِ الْأَرْضِ مَا يَسْتَحِقُّ الْحَيَاةَ”، وهو غلاف متفنن للغاية. هذا العمل العلمي كان بإشراف بحثي من الأستاذ أحمد سليمان أبو دقة، وكتب الباب الأول منه أ.نور الدين دلول، والثاني كتبه د.إسلام الزنط، وكتب الثالث أ.وسيم سالم، وكتب د.إياد جبر الباب الرابع، أما الباب الخامس فاشترك في كتابته مجموعة من الباحثين المختصين بالشأن الفلسطيني.

أقف هنا لأقول: إن هؤء الباحثين والكتّاب كلهم من فلسطين، ومن ذوي الاختصاص بفلسطين وشؤونها، وهذا باب من المقاومة بالعلم والبحث، وبالكتابة والفكر، والحاجة إليه ماسة لا تنقطع، وهو من أعظم أبواب الثبات والدفع حتى يأتي الله بنصره، ومن المؤكد أن شعب فلسطين المشهور عنه الجدية والبراعة في التعليم والعمل، فيه من المترجمين والمصممين والرسامين والمتحدثين والمبدعين من يستطيع إيصال معاني هذه الرسالة الفلسطينية للعالم بلغاته التي يفهمها أهل اللسان، وبالطرق والمبادئ التي تهز الشعوب وتؤثر بهم. حري بكل هؤلاء هجر الخلاف والاجتهاد الذي ليس هذا وقته، والسعي لبث الرواية الفلسطينية ما وسعهم إلى ذلك سبيل على الأرض، أو تحت السماء، أو فوق البحر والجبل، وفي تلافيف العوالم الافتراضية، وما أكثرها، وما أعظم وقعها.

وإذا شئنا الإطلالة السريعة على الكتاب، كي يعرفه القارئ قبل أن يقضي معه وقتًا من “المقاومة المعرفية”، فسوف نجد أن الباب الأول يتحدث عن فلسطين في التاريخ من العصر القديم حتى العصر الحديث، مع بيان عن سكانها، وبعد التاريخ لا مناص من تخصيص الباب الثاني ليكون عنوانه جغرافيا فلسطين بما للموقع من خصائص وأهمية، وفيه ذكر لأبرز المدن الفلسطينية، وما جرى على أسمائها من تغيرات خاصة تحت جحيم الاحتلال اليهودي. وفيه تعريف بحدود فلسطين وتقسيماتها الإدارية، وتوضيح لجرائم الاستيطان في الضفة الغربية، فهذا الاستيطان البغيض ليس مجرد احتلال وتسكين للغرباء، بل فيه قطع لأوصال فلسطين الجغرافية، وتشتيت لأهلها.

ثمّ يأتي الباب الثالث متحدثًا عن القدس عبر العصور، وفي تاريخ الأديان، وعبر الخرائط، وحسب التوزيع السكاني، وبعد الاستيطان الإسرائيلي، وأخيرًا القدس بين القومية العربية الإسلامية والقومية اليهودية. إن فلسطين رافعة خافضة، لكن القدس على وجه الخصوص أشّد رفعًا وأشدّ خفضًا، والنزاع عليها ولأجلها قوي محتدم، تتداخل فيه الأديان السماوية التي حُّرف منها اثنان إلى ملة يهودية، وملة نصرانية، يبرأ منهما موسى وعيسى -عليهما الصلاة والسلام-، وبقي الإسلام ثابتًا محفوظًا بعد أن ارتضاه الله دينًا واحدًا للناس كافة، وجعل رسوله محمدًا -صلى الله عليه وسلم- خاتمة الرسل، وإمامهم في الدنيا والآخرة.

ويبحث الباب الرابع في مسائل سياسية عن الهوية السياسية الفلسطينية الإسرائيلية ومستقبل الصراع، والاحتلال الغربي وأثره في احتلال فلسطين، ومؤتمر لندن… ومنظمة التحرير الفلسطينية وأحوال إنشائها، وبيئة النظام السياسي التي تكون النظام السياسي في إسرائيل. هذه المسائل مهمة لصناعة تصور من جميع زوايا موضوع فلسطين في التاريخ، والمستقبل، مع معرفة لأطرافه المحلية والدولية، وبصر بمكونات النظام السياسي للعدو المحتل. لقد كان الغرب وما زال شريكًا في هذا الاحتلال؛ فدولة إسرائيل جزء من الغرب، ووكيل عنها، ونقطة انطلاق لها، وحري بالعقلاء تحجيم هذا الوكيل تمهيدًا لطرده، قبل أن تستفحل شروره، فيصبح الآمر الناهي الوحيد كما يعمل جاهدًا لتحقيق ذلك، وقد نجح في بلوغ أكثر مراده لولا المقاومة التي عثرته وجعلته يقف مرغمًا صاغرًا، وإن مقاومة هذا شأنها لجديرة بالنصرة ممن تدافع عنهم وهم يشعرون أو لا يشعرون!

ومن أقوى ما صنعته المقاومة ذات البأس الشديد، على قلة الناصر، وندرة المعين، وضعف الإمكانات، صار هو الشأن الذي يدرسه الباب الخامس المقتصر على موضوع واحد هو 07 أكتوبر… التحولات السياسية والجيوسياسية والإقليمية، وهو الحدث الذي جعل دولة الاحتلال في عراء أمام من لم يغمض عينيه أو يغلق ذهنه من شعوب العالم. هو الحدث الذي جعل “فاتورة” وجود إسرائيل ومساندتها مرتفعة محرجة لدول ذات شعوب صاحبة كلمة وحرية ورأي. هو الحدث الذي صيّر البيت الأبيض يتخبط في مقترحاته ملوحًا بالحرب والاستئصال والتهجير تارة، وتارة أخرى بالازدهار والنماء الاستثماري والسياحي. هو الحدث الذي أعاد لبعض دول المنطقة شيئًا من القيمة التي فقدتها. هو الحدث الذي حفر لنفسه موضعه في التاريخ؛ فأصبح جزءًا منه لا يُمحى، ولا يمكن تجاوزه.

فلسطين-التاريخ والهوية

إن المقاومة -بحقّ- أعظم من قِطَع السلاح خفيفه وثقيلة، فمجرد ذكر اسمها ووجودها، هو سلاح بل أقوى سلاح! إن هذا الكتاب -مثلما سُطر فيه- ليس مجرّد كتاب، بل هو مفتاح يدخل بقارئه إلى عمق هذا المكان المقدّس، الذي شهد ولادة حضارات وتفاعلت فيه الثّقافات. إنّه رحلة لاستكشاف الهويّة الفلسطينيّة عبر العصور، وكيف صمد هذا الشّعب أمام التّحدّيات التي واجهها، حتى مع تواصل محاولات محو تاريخه. إنه كتاب جدير بك، وبمكتبتك.

كذلك في الكتاب تركيز على اللّحظات الفارقة التي صنعت ملامح فلسطين في ذاكرة الأمّة الإسلاميّة، من الأرض المباركة، والمسجد الأقصى، أُولى القبلتين وثالث المساجد التي تُشدُّ إليها الرحال بعد الحرمين الشريفين، ومسرى المصطفى ومعراجه إلى السماء، إلى مواقف الشّجاعة والتّضحيات التي لا تُعدّ ولا تُحصى، وفيها أنبياء وصحابة وقادة وعلماء وخيار الناس، حتى غدت “فلسطين” قضيّة مقدّسة تمثّل جوهر الكرامة الإنسانيّة، والإيمان العميق بالحرّيّة؛ ولهذا جاء إهداء الكتاب لافتًا مبتدئًا بالذين لا يعرفون فلسطين إلّا عنوانًا للكرامة والمقاومة، وهم فئام وأنواع من النبلاء الأفذاذ الشجعان على اختلاف المكان والزمان والحال والمشاركة.

ahmalassaf@

الرياض- الخميس 15 من شهرِ جمادى الأولى عام 1447

06 من شهر نوفمبر عام 2025م

Please follow and like us:

2 Comments

  1. يا لجلال هذا المقال الذي يكتب عن فلسطين لا كأرضٍ مغتصبة فحسب ..
    بل كهويةٍ عصيّةٍ على المحو ..
    وكرامةٍ باقيةٍ في ضمير الأمة ..

    لقد أعدتم تعريف المقاومة بمعناها الأعمق ..
    حين تصبح الكلمة جبهة ..
    والفكر سلاحًا ..
    والوعي ثغرًا يُرابط عليه الأحرار ..

    قرأناه فشعرنا أن الكلمات تتعفف قبل أن تُكتب ..
    وأن الحروف ترفع دعاءها شوقًا للأقصى ..
    ذلك المسجد الذي تسكنه أرواح الأحرار ..
    وتشتاق إليه القلوب المؤمنة ..

    إنها كتابةٌ تنبض بعزّة الإيمان ..
    وصدق الانتماء ..
    وتوقظ في القلوب يقين الوعد الإلهي أن الفجر قريب ..

    وسلّمنا الله أن نراه قريبًا ..
    وأن يرزقنا صلاةً خاشعةً في المسجد الأقصى قبل الممات .

    وأن يُبقي أقلامكم منارةً للوعي ..
    وقلوبكم مشتعلةً بحبّ الحقّ والعروبة والإيمان ..

    فلسطين كانت وستبقى نبضًا لا يخفت في ضمير الأمة .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

X (Twitter)