إدارة وتربية سير وأعلام

يوم أن غبت عن المدرسة!

في السنوات الأخيرة، أصبح الغياب عن المدرسة ظاهرة مزعجة. يكثر هذا الغياب مع بداية كل فصل وعند نهايته، وقبيل الإجازات الداخلية وبعدها، وأما يوم الخميس -آخر يوم عمل حتى الآن- وشهر رمضان فعنهما لا تسأل! طبعًا لم تقف الأجهزة الرسمية مكتوفة الأيدي أمام هذا الواقع؛ لكن التعديل لا يكون -فقط- بقرار أو إجراء مع أهميته ونفاذه وتأثيره؛ فهذه المشكلة تحتاج إلى سلسلة متوالية من الحلول، يؤدي بعضها لبعض، ويقوي بعضها بعضًا، وتتشارك فيه أجهزة التوجيه والتأثير، ومؤسسات المجتمع.

أذكر أني قلت ذات صباح لابني المشاكس: يجب أن تذهب للمدرسة كي لا أقع أنا بصفتي ولي أمرك تحت طائلة المساءلة كما يشاع! فأجابني بقوله: بل يجب ألّا تجبرني على شيء بناء على حقوق الطفل التي ستقف إلى صفي لو تواصلت معهم! فوقعت في حيص بيص لأني المدان في الحالتين! والحمدلله أن ربط الله على قلب الابن الحبيب، وألهمه الاستجابة، فما عاند، وذهب، ولم يكن يقصد حقيقة الشكوى؛ فهو يعرف الأصول، ويلتزم بها، ويوقن أني ما أردت إلّا مصلحته، وجوابه لي من باب المناكفة والممازحة ليس إلّا.

ومما كنت أقوله لأولادي وغيرهم من الأجيال الجديدة: لم أغب عن المدرسة إلّا يومًا واحدًا فقط! فتبدو منهم الدهشة، وأحسنهم ظنًا يعتقد أني أبالغ ليس من باب تحسين صورتي أمامهم، وإنما لحثهم على الانضباط والجدية، لكني أؤكد لهم دقة المعلومة، وأضيف ذاكرًا لهم سياق القصة الذي يزيدهم عجبًا؛ فغيابي لم يكن قراري أو محض اختياري، بل إن المدرسة المتوسطة طلبت منا يوم الثلاثاء، أن نغيب غيابًا جماعيًا يوم الغد، وهو آخر يوم دراسي، وكان حينها الأربعاء، حتى يتسنى لهم ترتيب قاعات الامتحان الذي سيبدأ السبت، ولذلك غبت من جملة الغائبين، وأضيف لاستغرابهم ما يزيدهم تعجبًا؛ ذلك أني إلى هذا اليوم أشعر بلوعة ذلكم الغياب الإجباري!

ثمّ أخبرهم أن هذه المسألة لا تخصني وحدي، بل تشمل جيلي، ومن سبقه، ومن جاء بعده مباشرة، فما كنا نعرف الغياب مع المطر والبرد والغبار، ولا غيرها من أحوال، ولا حتى عند المرض والتعب إلّا ما كان منه مقعدًا أو معديًا، أو في الأحوال التي لا مناص من الغياب فيها مثل السفر أو المراجعات الحكومية، وأحيانًا يغيب الطالب بعض يوم ثمّ يكمل بقيته، أو يحضر أوله ويستأذن آخره. وفي هذا السياق أخبرهم أني غبت أسبوعًا كاملًا عن المدرسة بسبب المكوث في المستشفى عقب إجراء عملية جراحية -هذه العملية من عمليات اليوم الواحد في أيامنا هذه-، وبعد خروجي بدأت الامتحانات النهائية، وبفضل من الله أصبح راقمه في الترتيب الأول على جميع فصول الصف الثالث المتوسط.

وقد بدأ بعضهم يقتنع، خاصة حينما سألوا أقراني، واطلعوا على الشهادات المدرسية، بيد أن قناعتهم ارتقت إلى عين اليقين حينما أصبحت طالبًا من جديد، ودرست أربع سنوات في قسم القانون بالجامعة السعودية الإلكترونية، فشاهدوا أني لا أغيب عن المحاضرات سواء أكانت عن بعد أم حضورية؛ لدرجة أن بعضهم يترجاني أن أذوق طعم الغياب، خاصة مع الزحام الشديد في الطرق، وتوالي المناسبات، لكني لا أستجيب، حتى أني حينما اضطررت للسفر، ذهبت لإخبار أساتذتي بهذا العذر مع أن غيابي سيحسب، لكني أردت دفع تهمة الإهمال والتراخي عني، فقال لي أحدهم: عرفت خلال هذه السنوات أنك لا تغيب، وبالتالي فأي غياب منك لا مناص من وجود سبب قوي خلفه.

ومن المؤكد أن معضلة الغياب المتكرر بلا دواع وجيهة لها أسباب تخص المنزل ونظامه وإدارته، والمجتمع وما يروج فيه من طبائع وعادات، لكن الشيء الأكيد أنه يمكن معالجة هذه المعضلة قبل تفاقمها، ذلك أني سمعت من بعض الطلبة أن لهم زملاء يحضرون أسبوعًا كاملًا، والأسبوع الكامل عندهم قد حذف منه يوم الخميس كما لا يخفى، ثم يغيبون الأسبوع الذي يليه كله بلا مثنوية ولا استثناء! وأتصور أن تظافر الجهود ستقود لنتيجة حسنة في هذا الباب قبل أن يغدو الغياب أصلًا، وبئس الأصل!

إن الغياب قد ألقى بآثاره على مستويات الطلبة، ومن رام الفحص فليطلب ممن حوله أن يكتبوا له بضعة أسطر، أو يقرأوا صفحة، وحينها سيعرف المستوى المخيف الذي انحدر إليه البعض في تحصيلهم، وهذا لا يعني غياب الجدية والنبوغ، فهي موجودة، لكنها تختلف، وقد تؤول بنا فتنة المضاهاة والتقليد التي تسري بين الناشئة سريان نار محرقة في هشيم  له قابلية الاشتعال إلى ما هو أسوأ، علمًا اني سألت إنسانًا عزيزًا من منطقة مشهورة بالجدية وكثرة الشركات الأجنبية فيها، فقال لي ما معناه إن الغياب غير شائع لدينا، فسررت بذلك، وتمنيت أن يكون مستوى الانضباط وسيلة للتنافس.

من مشكلات الغياب أن الغائب يقضي وقته بين الأجهزة، أو في التسكع الحقيقي أو الافتراضي، وربما يدخل في سبات عميق، فلا هو الذي حضر، ولا هو الذي أفاد من وقت الفراغ الطويل، وخدم نفسه وأهله ومجتمعه. والأمل منعقد مرتفع بعد توفيق الله بما سيؤول إليه اجتهاد الكرام في وزارة التعليم بالتعاون مع غيرهم، خاصة مع قرب التحول إلى الدوام الشتوي، وفي الشتاء يطول الليل، ويحلو النوم، ومع أن السهر قد يتزين للنفوس أحيانًا، إلّا أن واجبات الصباح تحدُّ منه، أو هكذا يجب.

الخلاصة يا بني: لا تغب عن درسك ومدرستك وواجبك، واعلم علم اليقين الذي ليس عندي غيره، أن مدرستك حينما تتابع وتسأل عن سبب الغياب فجوابي لهم سيكون حقيقيًا، ولن أتكلّف لهم من الأعذار ما لا وجود له، والله يبارك لكم في الحضور، ويكفيكم شرور الغياب. الخلاصة يا بني: اغتنم البكور، فكم فيه من بركات أخبرنا عنها نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم-، وتجنب السهر، فهو كما قالت الصّدّيقة عائشة -رضوان الله عليها وعلى والديها- لا ينبغي إلّا لمسافر، أو مصلٍّ، أو عروس!

ahmalassaf@

الرياض- الخميس 08 من شهرِ جمادى الأولى عام 1447

30 من شهر أكتوبر عام 2025م

Please follow and like us:

4 Comments

  1. ما شاء الله تبارك الرحمن ..
    مقال عميق في معناه ..
    جميل في سرده ..
    يلامس واقع التعليم ..
    بوعي ومسؤولية ..
    أحطتم بالمشكلة ..
    من جوانبها التربوية ..
    والاجتماعية ..
    والإنسانية ..
    بأسلوب راقٍ ومخلص ..

    قصتك الشخصية أستاذي مع الغياب الإجباري ..
    ونجاحك رغم ذلك ..
    تذكّرنا بأن الانضباط ..
    والمثابرة ..
    ليسا مجرد التزام بالمدرسة ..
    بل أسلوب حياة ..
    يُغرس فينا منذ الصغر ..
    يبدأ بالبيت ..
    ويُصقل في المدرسة ..
    والمجتمع ..

    ما أبهى الختام ..
    حين يذكّرنا بهدي نبينا ﷺ ..
    وسُنة عائشة رضي الله عنها ..
    ففي اتباعهما بركةُ العمر ..
    ونورُ الحياة ..

    بارك الله في قلمكم الواعي ..
    ونفع بكم الفكر ..
    والتربية ..
    والتعليم .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

X (Twitter)