سير وأعلام

أيام في المستشفى!

خوطبت في المستشفى على أني فتاة مرتين بينهما سنوات وسنوات! والأدهى أني أدخلت -رغمًا عني- إلى غرف الولادة ونمت فيها! هذه قصص حقيقية سوف أحكي لكم تفاصيلها بوضوح. إن المرض عرض لا يكاد يسلم منه إنسان أبدًا، وفيه انكسار، وخفض من طغيان الحياة والمادة، وانكشاف لحقيقة الدنيا؛ بل أخبرني صديق طبيب أنه عندما أصبح طريحًا على سرير المرض تغيرت نظرته بعد ذلك لمراجعيه ومرضاه. في المرض كذلك رفعة درجات وتكفير سيئات، وفي العيادة والمواساة دون إثقال أجور ومكرمات.

مما أذكره أني تعرضت لإصابة في عيني وعمري دون السابعة؛ ولم يكن لي علاقة مباشرة بعراك بعض الصبية الأكبر مني، غير أنهم حين رأوني أمطروني بالحصى فأصابت إحداهن عيني. في المستشفى احتجت لمرافق يقضي عدة أيام بجواري، فتبرعت جدتي “لولوة” -رحمها الله وكتب أجرها- بذلك. وفي هذا المستشفى عثرت النساء المنومات والمرافقات على طفل حكّاء يجيد طرفًا من فنون الأحدوثة؛ فتحلقن حولي، يسمعن كلامي، ويتضاحكن، والجدة مسرورة من مهارة صغيرها من ناحية، ومن ناحية أخرى ربما خشيت العين على سبطها ولسانه! بعد خروجي من المستشفى أقامت الوالدة -جللها الله برضوانه- لي حفلة حضرها أطفال الحارة ومنهم المعتدون بالحصى، كانت تلك المناسبة عامرة بالحلوى والمكسرات وما يحبه الصغار.

وفي يوم شتوي بارد ما نمت الليل من ألم في يمين البطن، وبعد صلاة الفجر أخذني الوالد -غفر الله له- إلى المستشفى، ومن فورهم بعد الفحص أجروا لي عملية استئصال زائدة، وحين جاء الوالد أراه الجراح الزائدة التي احتفظ بها عنده. من الطريف أني حين دخلت إلى غرفة العمليات وقبل التخدير مباشرة، وقفت ممرضة سمراء على رأسي، وحين تكلمتُ صرخت بانفعال: “الله دا ولد مش بنت!”، وحتى هذه اللحظة لا أعرف سبب إشكال الأمر عليها، فلم أكن جميلًا لا حينها ولا بعدها! المهم أني قررت إحراجها فقلت مخاطبًا إياها: لأول مرة أرى مصريًا أسمر اللون، فأجابتني: نحن من النوبة، وكان جوابها درسًا بلدانيًا نافعًا قبل التخدير والغيبة الصغرى!

ثمّ عندما استيقظت بعد العملية مباشرة، تفاجأت بأن أطرافي مربوطة على جانبي السرير، وجسدي محاط بحواجز! سألت عن السبب فقيل لي: أبوك طلب ذلك لكثرة حركتك وأنت نائم. كان معي في الغرفة شاب مراهق، وفهمت من كثرة كلامه مع والدته وأخواته حين يزورنه ويطيلون المكث معه أن علته جاءت لا من كثرة أكله فقط، بل من إدخاله الطعام الحلو على المالح، والحار على البارد، ومن خلطه الأصناف كافة في هجوم عنيف على المأكولات ورثه السمنة والعلّة. مكثت في المستشفى أسبوعًا، والآن أصبحت عملية استئصال الزائدة من عمليات اليوم الواحد غالبًا.

ومرة من المرات قررت لي عملية جراحية، فطلبوا مني الذهاب لغرفة الأشعة الصوتية مثل التي تجرى للمرأة الحامل لمتابعة أوضاع الجنين؛ فقلت لهم: لكن عمليتي لا تستلزم ذلك البتة؛ وليس لها ارتباط بهذا النوع من الأشعة! وحين راجعوا ملفي تبين لهم أنهم وقعوا في خلط بيني وبين مريض آخر؛ فهرع الجراح لي معتذرًا، ووعد ببعض الزيادات المجانية في العملية، ويكفيكم من شر الإلماح إليه! طبعًا هذه العملية كانت هي الأخيرة بعد سلسلة عمليات سابقة من نوعها لم تنجح، وأول طبيب أجراها لي عين في منصب مرموق بعد عمليتي مباشرة؛ ولذلك تضاحكت مع طبيب أسنان عالجني قبل سنوات فتنبأت له بأن المستقبل الرفيع ينتظره قياسًا على ما وقع للطبيب السابق، بل إن هذا التوقع من باب أولى فالأسنان أرفع موضعًا! حتى الآن لم تصدق نبوءتي، ولا أدري أينتظرها طبيبي أم قد نسي؟

هذا يقودني إلى حكاية ملخصها أني راجعت مرة أحد الأطباء المشهورين جدًا بعلاج آلام الظهر في القطاع الطبي الخاص، وبعد عدة زيارات قال لي: لا مناص لك من عملية في أعلى الظهر، ورغبني فيها ترغيبًا، وسهلها لي تسهيلًا! لكني لم أجد قبولًا في نفسي لهذا المقترح؛ فذهبت لمستشفى حكومي، وبعد اجتماع أكثر من طبيب استشاري أخبروني أنه لا حاجة لي بالعملية والحمدلله! مثل ذلك وقع لي حين أصر الطبيب على إعطاء مريض معي عدة حقن لمدة عام بمبالغ طائلة؛ بيد أن الطبيب الحكومي جزم أن الحقن المكلفة زيادة لا تنفع ولا يحتاجها من وصفت له، وهو ما أثبتت الأيام صحته. هذه أمثلة لا يراد منها التعميم ولا التشكيك، لكن الحذر واجب، وإدامة مراقبة الأجهزة المعنية لمن يقدم الخدمة المدفوعة مطلب ملح؛ حتى لا تذهب قداسة الطب -والتعليم أيضًا- تحت أقدام التجارة!

أما أطرف موقف وأحرجه؛ فهو أني أجريت عملية استوجبت العودة بعد أسبوع لإزالة دعامات مؤقتة وضعت لي بعملية أخرى، وعندما ذهبت لموعدي المحدد لاحظت أنهم أخذوني لغير المبنى المتخصص بعمليتي، حتى أقبلت على جناح الولادة، ووضعوني في غرفة وعلى يميني غرفة ذات بالونات زهرية، وعلى يساري غرفة زرقاء البالونات! فخرجت من الغرفة أترقب وأتلفت كي لا يرمقني أحد خارجًا بلباس المرض من غرفة والدة! وتسللت تسلل المريب إلى مكتب الاستقبال طالبًا الحديث مع الطبيب الجراح الذي نشأت بيني وبينه علاقة تقدير ومحبة، وغايتي من التواصل سرعة الخروج من هذا الجناح المخجلة بالوناته!

فوعدني الطبيب الحاذق بالخروج من المستشفى دون تأخير حال الإفاقة من العملية، ولذا فرحت لما جاء التمريض كي ينقلوني إلى غرفة العمليات التي تشبه غرف الولادة! وعندما وضعوني في ممر الانتظار، والكمامة تغطي وجهي، أتت إلي ممرضة تسعى قائلة: هل أنتِ جمانة؟ فقلت في نفسي ألا يكفي جناح الولادة وغرفة عملياته حتى أصبح جمانة مع التوقير لكل جمان وجمانة! وأجبتها بصوتي لتعلم أنها وقعت بخطأ.

ومن اللطيف أن الطبيب العزيز حينما رآني في الممر قال لي: كيف حالك يا عم أحمد؟ فتذكرت طرفة سمعتها قبل أيام من هذه العملية، ومختصرها أن أحد الجراحين وقف على رأس مريضه في غرفة العمليات المخيفة، وهو يفرك يديه مرددًا: اثبت يا أحمد! اجمد يا أحمد! فقال المريض لطبيبه: أنا لست أحمد! فأجابه له الطبيب: أعلم ذلك لأني أخاطب نفسي! فهرب المريض مباشرة! طبعًا لم أهرب فطبيبي ماهر جدًا والحمدلله، لكني ساعتها كنت أتبسم وأكتم الضحكة، حتى أنهى طبيب التخدير وضعي المسرحي.

وللتخدير معي قصص؛ فقديمًا كان التخدير بإبرة مؤلمة، ومع التقدم العلمي أصبح بغيرها مما هو أيسر واسرع. وفي كل تجربة تخدير أتذكر آخر حواري معهم قبل الهلوسة والغياب. ومن اللافت أن طواقم العمليات والتخدير في السنوات الأخيرة يكثرون من ذكر الله، وتلاوة القرآن الكريم، والصلاة على النبي -عليه الصلاة والسلام-، وكأنهم بصنيعهم يريدون طمأنة المريض، وتذكيره بمولاه، وهو فعل -عندي- حسن محمود، ولم يكن معهودًا فيما مضى. مما يشبه التخدير أن والدي -رحمه الله- زارني وكنت مريضًا منومًا في آخر رمضان؛ وقال لي: لا أستطيع الحضور يوميًا وقبلني فنمت أحسن نومة، والحمدلله أني لم أطل المكوث في المستشفى؛ ففي غرفة مجاورة شاب مريض ينبح مثل الكلب أجلكم الله!

أسأل الله المولى الشافي أن يعافي مرضانا ومرضاكم ومرضى المسلمين، وألّا يحيج أحدًا للعلاج والعمليات بدوام الصحة ولزوم السلامة. كما أضرع لربي بأن يوفق العاملين في القطاع الصحي لما فيه الخير، والجودة، وتقليل التكاليف، والارتقاء بالخدمات الصحية، وإرضاء المرضى وذويهم، وهم لبلوغ هذه المآرب السامية أهل، لأنهم على  مستوى عال من الأمانة والعلم والمهارة. وفقهم الله، وزادهم من فضله وعونه.

ahmalassaf@

الرياض- الأحد الثاني من شهر صفر عام 1447

27 من شهر يوليو عام 2025م

Please follow and like us:

4 Comments

  1. هذه المقالة من جنس المشاعر المختلطة!
    ما تدري هل تضع يدك على رأسك وتقول يا لطيف ام هل تضحك لمواقفها الطريفة؛ ام تقول الحمدالله ع السلامة!
    على كل حال خطاك السؤ..والله يجعلها آخر عهدك بالجراحين ومشارطهم!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

X (Twitter)