سير وأعلام مواسم ومجتمع

معالم من شخصية عنيزة مكانًا وإنسانًا!

كثيرًا ما تمنيت وأعلنت هذه الأمنية، وخلاصتها أن تتبنى الجامعات، ومراكز البحوث، والكراسي العلمية، دراسات عميقة يقوم عليها أساتذة علم الاجتماع، والبلدان، والاقتصاد، لتحديد معالم الشخصية السعودية، وقبلها إجراء دراسات أخرى عن شخصية كل منطقة. هذه الدراسات الفرعية تصب -بالمجمل- في وصف الشخصية العامة، ولا تختلف عنها كثيرًا، مع وجود مساحات للتميز والتفرد، أو للتوسع في شأن، والازدياد منه، مقابل تراجع آخر. إن الكمال عزيز، وفي كل بلادنا المقدسة خير وبركة، وهذا المشروع المهم سبق في بلاد عربية مثل مصر، والعراق، وربما غيرهما.

وفي سالف الأيام، قضيت مدة غير قصيرة، فيها عكوف وتركيز، على شيء من تاريخ عنيزة، ورموزها، مع إطلالة على ما كتبه المؤرخون والرحالة عنها؛ فاجتمعت لدي مادة مناسبة للنشر، تشير إلى معالم في شخصية عنيزة، على صعيد المكان، والإنسان. هي معالم عامة، وما من شيء يمنع من حدوث فلتات تعاكسها، فالنادر محتمل الوجود، ولا حكم له. ومن نافلة القول أن الموضوع واسع متشعب كبير، يحتاج إلى تفرغ، وتخصص، وحصر وسبر، والله يهيئ له.

هذه المعالم لا تحتجزها عنيزة لنفسها فقط، ولا تنفيها عن غيرها، وإنما شدني هذا الاجتماع، وتلك الوفرة، وذلكم العمق الزماني الممتد، فمن هذه المعالم، أو ما يدل عليها، دون استقصاء بالأمثلة:

الموقع الرابط:

لا أظنه من قبيل الصدفة أن تنشأ عنيزة في موضعها الحالي بعد أن كانت حارات متجاورة. هذا الموقع أصبح نقطة وصل بين شرق الجزيرة العربية وغربها، تعبر منه قوافل الحجيج، وطرق التجارة، ولهذا العبور لوازمه الحضارية، وفوائده الاقتصادية، وحتمياته الأمنية. وقد كان موقعها أحد أسباب انجذب الرحالة لها سواء أكانت رحلتهم إليها مجدولة، أم لجوؤا إليها بحكم الضرورة، فهي مكان ملائم للمسافر، وآمن للمضطر.

العلاقة بين الحاكم والمحكوم:

شاهد الرحالة الأجانب مجالس الحكم في عدة بيئات عربية، فلفتت نظرهم طريقة الحكم والإدارة المحلية في عنيزة، والعلاقة بين الأمير والناس والأفراد فيها. هذه العلاقة ثنائية تقوم على توقير المحكوم للحاكم، ومعرفة ما يجب له من حق شرعي وواقعي، وبالمقابل فلدى الحاكم من الأفق ما يتسع لسماع آراء الآخرين حتى لو لم ترق له دون نكير فضلًا عن العقاب. وصف بعض الرحالة هذه العلاقة بأنها قمة المدنية، وهي قبل ذلك وبعده أصل من أصول العلاقة الشرعية. في هذه العلاقة تآزر، وتعاضد، وتخادم، وتعاذر، وهي أعمال تحول دون أي خلل من أي طرف تجاه الآخر.

عراقة الأسر:

في كل مكان أسر عريقة توارثت المجد وورثته، وهذا من نعمة الله على المجتمعات. في عنيزة أسر كثيرة جدًا، تؤول إلى مكونات متنوعة، امتلكت العراقة منذ زمن، وتشبثت بمقتضاها، ثم خلفته لمن يعقبها من أجيال. يظهر هذا جليًا في ترابط الأسر العنيزاوية، وسبقها إلى أعمال تخدم الحاضر والمستقبل وتوقر الماضي. يتجلّى ذلك في تميز أسر بالعلم، والتاريخ، والإدارة، والثراء، والعمل المجتمعي، وبحفظها لمرويات ووثائق، وسعيها لتوثيق تلكم الذاكرة الشفهية قدر المستطاع.

الاندماج المجتمعي:

يلاحظ أن بعض الأسر أو قسمًا منها اندمجت في مجتمع عنيزة اندماجًا كاملًا بعد سكناها فيها، وصارت منها في كل شيء، مقابل أسر أخرى استوطنت عنيزة مدة من الزمن، ثم ذهبت لأماكن جديدة؛ فكانت المنشئة لها، أو أصبحت أكبر الأسر فيها، وهذا ملمح مهم يشبه وضع أسر ملكية في أوروبا ترجع لأصل واحد مع تفرقها في البلدان.

تكوين الشبكات المجتمعية:

أينما ذهب عنيزة فلا مناص من اجتماعهم مع بعضهم، ومن نتائج بعض هذه الاجتماعات تكوين شبكات مجتمعية جديدة مثلما فعل الدارسون والمتخرجون في جامعة الملك فهد للبترول والمعادن عبر تجمع “بتروليو عنيزة”. وقد روى الشيخ ابن جبير أنه أكثر من التداخل مع أهل عنيزة إبان دراسته في دار التوحيد بالطائف؛ لأنهم يجتمعون وفي اجتماعهم أنس ومهارات عدة، ومما  لا يخفى أن مساكن أبناء عنيزة في البعثة لمصر أو أمريكا، كانت من مواضع التقاء الطلبة، واجتماع العرب.

كثرة الرموز وتوقيرها:

في عنيزة عدد ضخم من رواد التعليم، والعلماء، والموؤرخين، والأدباء، والشعراء، والفرسان، والتجار، والمسؤولين. كما أنجبت عددًا كبيرًا من حاملي الشهادات العليا، ومن مسؤولي الحكومة الكبار، والوزراء. ليس هذا فقط؛ بل إن عامة الناس في عنيزة يحتفون بهذه الرموز، ويشكرون من يذكرها بخير حتى لو لم يكن الرمز من أسرتهم. ومن الاحتفاء إطلاق الأسماء على المؤسسات، والمراكز، والطرق، والقاعات.

قداسة العلم:

إذا ذكرت الحواضر العلمية في الجزيرة العربية، فلن نستغرب من ورود الحرمين الشريفين، والمدن الساحلية، وعواصم الدول الكبرى، ومع ذلك فلا يمكن إغفال القيمة العلمية الكبرى لعنيزة خاصة في علوم الشريعة والقضاء والتاريخ. لقد صارت عنيزة -وما زالت- منارة علمية مقصودة، وهي ذات تواصل علمي مع العواصم الإسلامية حتى خارج الجزيرة العربية؛ إذ درس عدد من علمائها خارج البلاد، ثمّ تخرج فيها طلبة أفاقيون كثر، ولم تنقطع المراسلات والتزاور بين أعلامها وأعلام الحواضر الأخرى.

المدارس المتعاقبة:

تخرجت من عنيزة أجيال متعاقبة في نواحي علمية شتى أخذ اللاحق منهم عن السابق. لدى عنيزة مدرسة فقهية مستقلة، ولها إرث قضائي لافت. ومن عنيزة انبثقت مدرسة في التأريخ وكتابة السير والتراجم. وفي عنيزة أسرة توارثت الأذان منذ قرن وأزيد، هي أسرة الفياض -الريس-. وفي عنيزة بيوت تجارية توارثت العمل التجاري أبًا عن جد مثل أسرة الزامل.

السبق العلمي:

كان لعنيزة سبق في أكثر من ميدان علمي. من سبقها دراسة عدد من علمائها في الهند والجامع الأزهر وجوامع دمشق وبغداد وغيرها. من سبقها عنايتها الفائقة بالتراث العلمي لشيخ الإسلام ابن تيمية ومدرسته، وهذه منقبة لا مأخذًا كما يتوهم بعض الكتّاب. من سبقها تأليف الشيخ ابن سعدي كتابه الشهير في التفسير. ومن سبقها بروز علماء يشار لهم بالبنان من أبنائها مثل الشيخ ابن عثيمين وغيره. من سبقها تقدمها الزمني والنوعي في افتتاح المدارس مثل مدرسة القرزعي، ومدرسة ابن صالح.

كثرة التأليف:

ما أكثر المؤلفين من أهل عنيزة، في فنون علمية عديدة. لقد حفظوا بالكتابة تاريخهم وأمجاد أوائلهم. إن التوثيق مئنة على الوعي، ودليل على التنبه للحاضر والمستقبل. وقد ترك لنا المؤلفون من أبنائها كتبًا لها قيمة كبرى في تخصصاتها، وحرص قسم منهم على تدوين سيرته الذاتية، ومن لم يفعل بادر محبوه للكتابة عنه كي لا تندثر مآثره، ولا يمحى اسمه.

العمارة التي تحكي:

حافظت عنيزة على عدد من آثارها المعمارية التي تحكي شيئًا من تاريخها. من هذه الآثار جامعها الكبير، ومئذنته، ومسجد أم خمار، وبيت البسام، وسوق المسوكف، وبيت ومتحف السلوم التراثي، وغيرها من آثار. لم يكن الحفاظ عليها جهدًا رسميًا فقط، بل هو عمل سارعت إليه الأسر كي تبقي هذه الشواهد شامخة تروي مثل الأقلام والألسن.

الشعر ذاكرة وذكر:

للشعر الفصيح والعامي منزلته في عنيزة. يستبين ذلك من كثرة عدد الشعراء، حتى أن الشيخ الأديب عبدالله بن إدريس أحصى منهم بضعة عشر شاعرًا في دراسته السباقة عن شعراء نجد المعاصرين. كان لهؤلاء الشعراء مشاركة في حماية التاريخ من الضياع حتى كتب الشاعر عبدالعزيز بن محمد القاضي حفيد القاضي شاعر نجد- قصيدته “العنيزية” عام 1376، وهي ملحمة شعرية. وللشعراء مشاركة في تحفيز الناس لصالح البلدة وأهلها، وقصيدة الشاعر علي الخياط شاهدة خالدة.

الفن بأصنافه وحب الحياة:

برعت عنيزة في فنون كثيرة، منها الأدائي بالصوت واليد، وفيها التنظيمي، ولم تخل من فن في التسويق والعرض الجاذب. حضر بعض الأصدقاء حفلًا في عنيزة، فتفاجئوا من مشاركة جملة من المعمرين في العرضة والسامري. وتاه آخرون في البر، حتى وقعوا على قوم مستمتعين بالسامري دون وجود سيارات حتى ظن التائهون أنهم من العالم الآخر، وحين توقفوا عندهم تحت وطأة الاسترشاد للطريق، عرفوا أنهم فرقة فنية من عنيزة، وقد أخبروهم عن الطريق الواجب عليهم أن يسلكه ليكمل مسيره.

عنيزة في أعناق الجميع:

لم تكن قصيد الشاعر الخياط “هذي عنيزة ما نبيعه بالزهيد” مجرد إبداع من شاعر مجيد، إذ عبر الشاعر عما وقر في صدور أهل البلدة، فهم المسؤولون عنها في السلم وفي الحرب، وسواء توافق الواحد منهم مع الأمير أو تخالف. إن الشعور بالمسؤولية تجاه عنيزة، ومنحها الأولوية، سمة بارزة في نفوس الناس، وهي دلالة على الشخصية العريقة المتزنة، ومن مفردات هذا المعلم أن الأهالي يبحثون عما ينفع بلدتهم في كل شيء، فمن سافر وأعجبه شيء جلبه لديرته، وإذا لاحت فرصة اهتبلوها لتكون عنيزة الرائدة.

 عنيزة والحب!:

ذكر الطبيب “ديم” أن أحد الشبان طلب منه وهو في البحرين أن يريه موضع ديرته عنيزة على الخريطة، وحين أشار إليها انكب الفتى يقبل مكانها واسمها وهو مجرد نقطة على خريطة. هذه المحبة رسخت في قلوب الناس كاة تجاه بلدتهم، حتى من عاش بعيدًا عنها، وحتى من غشي قصور الزعماء، وبيوت الحكومات الكبرى. إن عنيزة هي حبهم وهي قضيتهم، ويجتهد أهلها في خدمتها بوقف الكتب والعقارات عليها، وإهداء المكتبات لمراكزها. ومن حبها أن علّم أهلها طريقة نطقهم اسمها للأجانب الذين كتبوها بحروف لاتينية لكن بمنطوق عنيزاوي!

الحاضرة المتمدنة:

أقر الرحالة الذين شاهدوا عنيزة، وقارنوها بغيرها، أنها بلدة نظيفة، متحضرة، متمدنة، متأنقة في العمارة والبناء، وفي الأثاث والملابس، وفي الضيافة وطريقة السلام والتحية، وشبهوها بمدن إيطالية راقية المدنية إبان عصور خلت. إن روح المدنية تضفي على أهلها سلامة الطبع، وتهذيب التعامل، وسماحة النفس، وحسن الخلق، وتبعدهم عن الملاسنة والمخاشنة، ولا يعني هذا الخلو التام منها ومن مثيلاتها. من توابع هذا المعلم تتبع الجمال ومواطنه في اللفظ والمظهر العام والملبس وسفرة الطعام وغير ذلك؛ فالجمال يبهج النفس والعين، ويعكس جمالًا داخليًا خالط الأذهان والنفوس.

لا للغلو:

تجتمع في عنيزة أطياف فكرية ومسلكية، لكن الغلو والإفراط من الأطراف كافة خامل -زاده الله خمولًا-. من مظاهر خمود الغلو كثرة تلاقي المختلفين في مجالس وحوارات وغيرها، وتوافر قدر معقول من التعاذر والتغاضي، وتقدير كل طرف لآخر، وحرص الكافة ألّا ينساقوا خلف شعار، أو يركبوا موجة، ولذلك توازنت فتاوى علمائهم المرتبطة بأعيان، وتلطفت “شطحات” آخرين! أولئك قوم وإن ابتعدوا إلّا أنهم لايحطمون الجسور، ولا يقطعون الحبال، ويبقون للصلح موضعًا، وللأوبة فرصة.

أهلًا بالجديد:

لم تكن عنيزة عصية على أي شيء جديد من المخترعات وغيرها. لذلك وجدت فيها أصناف أطعمة لم تعهد في جوارها، وسارع أهلها إلى امتلاك الساعات، والسيارات، والمكائن، وأجهزة المذياع، واستخدام النظارات، وإنارة الجامع، واستعمال مكبرات الصوت. لقد كانت عنيزة روضًا خصيبًا للصناعات والحديث من المبتكرات.

مرحبًا بالغريب:

العناية بالضعفة مقياس للرحمة والألفة لدى أي مجتمع. والغريب من جملة الضعفاء؛ لأنه لا يعرف أحدًا، ولا علم له بالتقاليد. وقد كانت عنيزة حاضنة للغرباء متسامحة معهم، ففي حين يطرد الرحالة من بلدة وهو لم يكمل فيها يومًا واحدًا، نجده يقضي عدة أسابيع في عنيزة دون أن يخشى وقوع الأذى عليه، حتى لو كره وجوده بعض الناس.

مشاركة المرأة بلا منازعة:

تشارك المرأة في عنيزة بالأسواق والزيارات دون منازعة الرجل فيما أسند إليه من واجبات قبل أن تكون حقوق. لذلك كانت للنساء أسواق وأماكن محددة من الأسواق، ولهن أوقات للخروج بأمن وستر. إن حماية المجتع للمرأة والطفل ليس فيه منقصة عليهما، بل هو كمال للمجتمع ومكوناته، وجمال للحياة يرفع من جودتها ونقائها ودفء روابطها العائلية.

كثرة الفرص:

البلدة التي تصنع الفرصة تلو الأخرى، وتجدد من الفرص وأصنافها، بلدة لا تضمحل التجارة فيها، ولا تنقطع عنها حركة الزوار. وهكذا هي عنيزة، فلها في الآثار نصيب، ومن الترفيه حظ، وكذلك في الزراعة، والعلم، والمخطوطات، والعمل الاكتسابي والاحتسابي. وستبقى بيئة خصبة للتجارة، والمعارض، والمواسم، والفعاليات؛ لأن أذهان أهلها مبتكرة، وخدمة مدينتهم أولوية مقدمة.

الشراكة أساس:

إذا كان قدر الشراكة لايفوح كما يقول العامة في أمثالهم، فإنه قد خالف هذه المقولة “المعلبة” في عنيزة، وضربت عنيزة مثالًا رائعًا من الشراكة في السلم والحرب. من ذلك التعاون بين أمير البلدة وأمير الحرب في أكثر من عهد، ومسارعة أفراد المجتمع للتشارك في دعم أعمال أهلية حسب الاستطاعة مثل بناء المستشفى، وتأسيس لجنة أهلية، وتجديد عمارة الجامع التي فتح الباب فيها لمن رغب في المشاركة ولو بحفنة رمل.

نحن نتعلم باستمرار!:

شاهد الرحالة في عنيزة أشياء تدل على أن البيئة متعلمة راغبة في اكتساب المزيد، والبعد عن الجهل. من ذلك كثرة الكتاتيب للجنسين، وفتح المدارس، والسفر لأجل الدراسة، ومعرفة اللغات، ومتابعة الأخبار، والممارسات الطبية، ووجود معدات وعربات ليس لها مثيل في المدن الأخرى مثل الساعات بأنواعها، وعربة تحميل البضائع، أو التفكير المبكر في الاستغناء عن السواني بالمكائن، وافتتاح المصانع، وتمديد مشروعات المياه.

شجاعة القلب:

خاضت عنيزة غمار حروب ومعارك، ودافعت عن نفسها وحلفائها، وهاجمت قواتها من حاول الاعتداء أو نقض العهد، وكثرت فيها رقصات الحرب وأناشيدها وعرضاتها، وامتلك الناس الأسلحة المتوافرة قدر الوسع. لقد كانت عنيزة بلدة مدنية بامتياز، بيد أنها عند الحاجة تتحول إلى كتيبة عسكرية جاهزة للنزال.

العمل المجتمعي في كل مجال:

سبق أهل عنيزة غيرهم إلى أعمال مجتمعية تطوعية، مثل سقيا الماء، وعون الفقراء، وإتاحة خدمات عامة مجانية، والقيام على إصلاح شأن من أصيبوا بعلى جسدية، وتيسير الزواج، وبناء المراكز المتطورة المتنوعة السابقة لغيرها. هذه الأعمال تولاها الناس منذ كانت فكرة، إلى أن أصبحت واقعًا بتآزر المال مع الجهد والذهن. هي سمة قديمة في عنيزة حت ىقال عنها “لوريمر” في مؤلفه عن دليل الخليج بأنها ذات إدارة أهلية منظمة.

التصالح سمة الأقوياء:

لا يخلو أي مجتمع من صراع وصدام. كانت عنيزة مثل غيرها في هذا الأمر، لكنها تسارع إلى التصالح وتجاوز الماضي. إن هذا التصالح كفيل بتجسير العلاقات بين الأسر والمكونات، وردم أي هوة، ومنع انبعاث أي إرث قديم من الثارات والإحن.

مدينة الألقاب:

حظيت عنيزة بألقاب عدة سواء من أهلها أو من الرحالة الذين زاروها. اشتهر من هذه الألقاب لقب “باريس نجد”، ويوجد غيره مما يصف المدينة وواقعها بصورة أكمل، فقد جعلها بعضهم قطب الرحى، ومدينة التاريخ والأدب، وغير ذلك. ومنها اسم “مدينة المجالس”، فهي مليئة بالمجالس العلمية والأدبية والفكرية من بعد صلاة الفجر إلى منتصف الليل، وهذا لا يدل على الكرم والثقافة فقط، بل على تداخل مجتمعي، وعلى كثرة المنتديات الواعية داخل البلد. مما يسترعي الانتباه هنا؛ أنه من المحفوظ ربط كثرة المسميات بشرف المسمى! بل حتى مزارعها ذات أسماء تميزها.

فن الاستضافة:

يحرص الأفراد وتحرص المؤسسات في عنيزة على استضافة الآخرين إلى بلدتهم، واطلاعهم على ما حباها الله من أنس وجمال وانفتاح. ذكر أحد الزوار من الكتّاب أنه جاء إلى عنيزة مجاملًا لحضور احتفال مدة أربع ساعات؛ فأمضى ليها أربعة أيام بلا ملل. هذه البيئة المنفتحة على الضيوف جعلت عنيزة في حراك دائب، وضاعفت من تقدير أعداد سكانها، ويسرت للباحثين دراستها والكتابة عنها، أو انطلاقًا منها.

تطواف الأوفياء:

اشتهر عن أهل عنيزة كثرة الارتحال، والسفر، وضربهم في الأرض حتى وصلوا إلى بلدان بعيدة جدًا، وطال استقرار بعضهم فيها. مع ذلك لم ينقطع حنينهم لديارهم، وسؤالهم عنها، وتواصلهم مع أهلها بالرسائل واستضافة القادم منهم. إن هذا الحنين، والاعتزاز، وخدمتها بشحن البضائع، والكتب، ولوازم الدراسة والعلاج، والربط بين علمائها وعلماء الأمصار، لدليل صادق على الوفاء ومحبة الديار وأناسها.

الماء والنخيل:

تتميز عنيزة بأنواع من النخيل، ولها سوق تمور مقصود كل سنة. بعض نخيلها أتاها من العراق مباشرة بواسطة تجارها، ومن عنيزة انتشر في الدنيا مثل “البرحي”. ومع النخيل امتازت عنيزة بقربها من وادي الرمة، ومن بحيرة الماء في العوشزية وقت الأمطار. وفي الربيع تتحول مداخلها إلى جنة خضراء تسر الناظرين. وهذه من بركات الموقع التي امتن الله بها على البلدة، فالنخلة أكرم شجرة في الدنيا، وفي الجنة، وإذا وجد لها ما يناسبها في أرض من تربة وشمس وماء فسيكون ثمرها كثيرًا متنوعًا رائجًا مطلوبًا، تمامًا كما هي صفة تمور عنيزة، والقصيم قاطبة.

حماية المراعي والمتنزهات:

ستبقى قصة حماية الغضى عبر السنين، وفي عهود أمراء عنيزة، وبجهود وجهائها، قصة تروى، تجسد قيمة المكان، وأثر الإنسان، وتروي الإصرار على تقديم المصالح العامة، وحفظ شخصية المدينة ولو في مكان للرعي والنزهة والاستجمام.

هذه المعالم أو ما يقود إليها أبرز ما بدا لي بعد تأمل، هي معالم لافتة في عنيزة، بكثرتها، وتواليها، واجتماعها، مما يقوي حجة القائل بأنها من ملامح شخصية عنيزة المكان، وشخصية عنيزة الإنسان. هي معالم تمنح لأهلها القوة المادية والقوة المعنوية، وتحث الأجيال على الاقتداء والبناء عليها للأحسن. ولعل ما سبق مما يؤكد هذه المعالم، ويعطي الدليل إثر الدليل عليها، مع ضرورة التأكيد أننا لا ندعي الاختصاص، ولا ننفي عدمه، ولا نأنف من إثبات وجود العكس، ولا ندعي الكمال لأحد، وإنما الحديث أغلبي، ولا مناص من تكرار القول الراسخ اعتقاده بأن بلادنا الكريمة، ومجتمعها الشهم، بيئة عامرة بالمناقب والمحاسن والبركات، التي تتقاطع مع ما سلف، وتضيف عليه، فاللهم زدنا عراقة وأصالة ونموًا وإيمانًا، وبارك فينا ولنا وعلينا.

ahmalassaf@

عنيزة- الأحد 25 من المحرم عام 1447

20 من شهر يوليو عام 2025م

Please follow and like us:

12 Comments

  1. بارك الله فيك أخي الفاضل أحمد على هذا الطرح الرائع الجميل ومدينة عنيزة ” باريس نجد” كما سماها الأديب والمؤرخ اللبناني امين الريحاني عندما زارها سنة ١٩٢٢ م تستحق منا الشيء الكثير.

    1. بوركت يا سليمان وشكرا لكم، وعتيزة وكل بلادنا تستحق ذلك وأزيد. للعلم: وصف عنيزة بانها “باريس نجد” ذكره الريحاني مع أوصاف اخرى، ولكن هذا الوصف أطلقه “فلبي” على عنيزة واستعمله الريحاني. زيارة فلبي لعنيزة سبقت زيارة الريحاني بخمس سنوات أو حولها. شكرا لكم مرة أخرى.

  2. حقا مقالة مختارة تحكي عبق الماضي الجميل لعنيزة
    ‏ومجموعة من اخبار تراثنا عاشها اباؤنا واجدادنا في الزمن الماضي بارك الله فيك وليس غريب عليك هذا الإبداع والتميز وتشكرك على جهودك واهتمامك بتراث وتاريخ عنيزة
    ‏لك منا جزيل الشكر والتقدير ولجميع من يحرص على توثيق تراث وتاريخ ديرتنا الغالية

  3. ما يفعله ابناء عنيزة لعنيزة هو واجب من واجباتهم ولكن ما فعلته انت لعنيزة هو كرم منقطع النظير .
    بارك الله بوقتك وجهدك وقلمك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

X (Twitter)