أردت حصر حالات التعاقب على مناصب وزارية داخل مجلس الوزراء الموقر، على أن يكون التعاقب حصريًا بين أعضائه من أبناء الأسرة الملكية وأعضائه من غيرهم. تبين لي أن حالات التعاقب هي تسعة عشر حالة فقط، شملت إحدى عشرة وزارة بالنظر إلى المسمى، ويضاف لها وزارة الدولة للشؤون الخارجية مرتين. ووجدت أن تولي المنصب من الوزراء بعد الأمراء تكرر اثنتي عشرة مرة، وبالمقابل جاء الأمراء للمنصب عقب وزراء سابقين سبع مرات. وبذلك يكون عدد الوزراء الذين شاركوا في هذه العملية التعاقبية اثنان وثلاثون وزيرًا وليس ثمانية وثلاثون وزيرًا بسبب وجود التكرار في الأسماء مثلما سيتضح أدناه، منهم خمسة عشر أميرًا، وسبعة عشر وزيرًا.
أول تعاقب على المنصب ذاته حدث عام (1373=1954م) بتعيين د.رشاد فرعون وزيرًا للصحة مكان وزيرها الأول الأمير عبدالله الفيصل الذي احتفظ بوزارة الداخلية، وتبعه التعاقب الثاني الذي كان عام (1375=1955م) عندما عين الأمير عبدالعزيز السديري وزيرًا للزراعة والمياه بعد وزيرها الأول الأمير سلطان. وآخر تعاقب حصل عام (1441=2019م) حينما سمي الأمير فيصل بن فرحان وزيرًا للخارجية خلفًا للدكتور إبراهيم العساف. مما يناسب الإشارة إليه أن وزارة الخارجية هي أكثر وزارة جرى عليها هذا التعاقب بحدوثه أربع مرات، وهو التعاقب الذي لم يقع البتة لوزارات الدفاع والداخلية والحرس.
فمن خبر التعاقب على وزارة الخارجية -وهي الوزارة الأكثر نصيبًا في هذا الأمر- أن الشيخ إبراهيم السويل سمي وزيرًا للخارجية عقب وزيرها الأول الأمير فيصل -الملك لاحقًا- الذي ما لبث أن عاد لمنصبه الذي غادره السويل. ثم أصبح الأستاذ عادل الجبير وزيرًا للخارجية بعد الأمير سعود فيصل، وخلف الجبير الفيصل مرة أخرى على منصب وزير الدولة للشؤون الخارجية، وهو المنصب الذي تولاه الأمير سعود الفيصل بعد وفاة السيد عمر السقاف، في أول عضوية وزارية للفيصل عام (1395=1975م).
كما وقع التعاقب في وزارة المعارف، التي أصبح وكيلها الأبرز الشيخ عبدالعزيز آل الشيخ وزيرًا لها بعد وزيرها الأول الأمير فهد -الملك لاحقًا-. وبعد عقود اختير الدكتور عبدالله العبيد وزيرًا للتربية والتعليم، وخلفه على المنصب أميران هما الأمير فيصل بن عبدالله بن محمد، وتلاه الأمير خالد الفيصل، وبعده سمي د.عزام الدخيل وزيرًا للتعليم خلفًا للأمير خالد، وهي الوزارة التي ضمت وزارتي التعليم العام والعالي، ودمجتهما في كيان إداري واحد.
أما وزارة الشؤون البلدية والقروية، فأسندت للشيخ إبراهيم العنقري بعد سنوات من مغادرة وزيرها الأول الأمير ماجد بن عبدالعزيز لها، وتكليف الأمير متعب بها مع وزارته بالأصالة آنذاك للإسكان والأشغال العامة. وبعد عقدين أصبح الأمير متعب بن عبدالعزيز وزيرًا لهذه الوزارة بعد تجديد مجلس الوزراء عام (1424=2003م)، وخروج د.محمد الجارالله منه، علمًا أن فكرة هذا المقال انبثقت لدي في زيارتي لمجلس معالي د.الجارالله قبل أيام. وفي عام (1436=2015م) انتقل الأمير د.منصور بن متعب من منصبه وزيرًا للبلديات والشؤون القروية إلى وزير دولة ومستشار لخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان -حفظه الله-، وعين م.عبداللطيف آل الشيخ وزيرًا للبلديات والشؤون القروية.
ويظهر من التتبع تعاقبان شهيران في وزارة المالية والاقتصاد الوطني، الأول منهما حين أصبح الأمير فيصل وزيرًا للمالية والاقتصاد الوطني بعد الشيخ محمد الصبان، وجمع الأمير -الملك لاحقًا- ثلاث وزارات حينها مع رئاسة المجلس، وهي حالة مجلسية نادرة. والتعاقب الثاني تم بتسمية الشيخ محمد أبا الخيل عام (1395=1975م) وزيرًا للمالية والاقتصاد الوطني بعد الأمير مساعد، وكان أبو علي قبل ذلك وزير دولة للشؤون المالية والاقتصادية.
كذلك نجد في تاريخ المجلس عدة حالات تعاقب فردي بالنسبة للوزارات، منها ما سلفت الإشارة إليه في وزارتي الصحة ثم الزراعة والمياه، ومن ضمنها إسناد وزارة العمل والشؤون الاجتماعية للشيخ ناصر المنقور بعد وزيرها الأول الأمير فيصل بن تركي الأول. ومنها تسمية الشيخ عبدالله السعد وزيرًا للمواصلات بعد الأمير بدر، علمًا أن الشيخ السعد هو وزيرها الرابع بعد ثلاثة أمراء. وآخر مثال على هذا التعاقب الفردي صار بتعيين الأمير عبدالعزيز بن سلمان وزيرًا للطاقة بعد المهندس خالد الفالح.
إن التعاقب عملية معهودة في المناصب الحكومية ايًا كانت سبل الوصول إليه، وأيضًا يوجد التعاقب في الأعمال التجارية والمجتمعية وغيرها. إن التعاقب منهج مطروق فيه تجديد وتنشيط ومنافع شتى ومآرب حسنة أخرى. أسأل المولى أن يغفر للراحلين ممن وردت أسماؤهم أعلاه، ويجزيهم أحسن الجزاء على ما قدموا، وأن يوفق البقية ومن سيخلفهم للخير والإحسان وكسب الأجور والمحامد. إن التعاقب الرشيد لسمة من سمات العمل العريق، والمجتمع العريق، والأسر العريقة، والله يجعله مباركًا مسددًا عائدًا على البلاد وأهلها بالمصلحة الآنية والمستقبلية.
الرياض- الخميس 15 من المحرم عام 1447
10 من شهر يوليو عام 2025م