قراءة وكتابة

أناقة الكتابة والخطابة

الأناقة في الكتابة لا تختلف عن الأناقة في الحديث والخطابة. هذه الأناقة مطلب ملح خاصة مع تزايد الفرص للكتابة، ومع تكاثر القنوات للتعبير عن الذات تحدثًا وحوارًا، ومع توافر مساحات حقيقية أو افتراضية للنقاش وإبداء الرأي. روي عن المزني أنه قال: سمعني الشافعي يومًا وأنا أقول: فلان كذاب! فقال: يا أبا إبراهيم اكْسُ ألفاظَك أَحْسَنَها، لا تقل: فلان كذاب، ولكن قل: حديثه ليس بشيء.

هذه النصيحة من هذا الإمام الكبير لتلميذه -رحمهما الله- هي لبّ كاف في الدلالة على الأناقة للكاتب والمتحدث. الأصل أن تكون في نصوصك واضحًا مباشرًا، بعيدًا عن إثقال الكلام بالزخارف، حذرًا من امتلاء النص بحواش متدلدلة لا علاقة له بها، وخلاصه منها لا يغير من المعنى قيد أنملة. هذه الأناقة صورة من صور الفخامة والرزانة، مثل وجيه يجلس في أي مكان دون تردد؛ لأن الصدر يكون حيثما حلّ الصدر، والأنظار تشخص إليه ولو انتحى في طرف قصي. هي أناقة مثل غيمة ماطرة خيرها سيأتي ويريح النفوس، ومثل مصباح مهما حُجب فالضوء المنير منه سينبعث للعقول.

تمتلك الكتابة الأنيقة سر قوتها من داخلها، وتنتج من عقلٍ راجحٍ، وذوقٍ سليم، وبصيرة نافذة. هذه الأناقة تعني الكتابة بأدب الباحث وتواضعه، لا بلجج المجادل وغلظته. هي كلام كتب أو ألقي كي يستفاد منه ويؤثر ويغير للأحسن؛ لا ليقال عن صاحبه كاتب حاذق، أو خطيب مصقع؛ فمن يأسر نفسه لهذه الأوصاف سوف يغرق في حبائل الجمهور، وربما يسرف في التزيين والاستشهاد، ويغدو سرفه أحد أسباب هروب من رام استقطابهم إليه. إن الجاذبية لا تأتي من التصنع أبدًا؛ فمصير أي تشبع بغير الحقيقة أن ينكشف، وهكذا كل بهتان وزور.

في الكتابة الأنيقة طرق لأبواب المعاني بسكينة تماثل خشوع الداخل إلى مجلس علم، وفيها مخاطبة للعقل بلا صخب، وللقلب دون تكلّف. هي نصوص تراعي الذوق والسياق ومقتضى الحال، ولا تقتصر على ما يحيط بالفكرة فقط، علمًا أن الفكرة الأصيلة يكفيها ارتداء المناسب من الكلمات كي تشرق، والفكرة التي لا تخلو من نقد أو جرح أو جرأة، يمكن التعبير عنها بما يخفف من وقعها الأليم، ويؤدي المراد منها، هذا في الأغلب، ولكل لفظ عام أو مطلق ما يخصصه أو يقيده.

هذا النوع من الأناقة يُتعلم، وقد يُلهم! هو صنف من طراز عالٍ يُكتسب بالقراءة الجيدة المنتقاة، ومصاحبة اللغة الرفيعة، والنظر في كلام الأدباء والحكماء، وحسن التوظيف للبلاغة والفصاحة، والتنقل بين التصريح والتعريض، وتنظيم الأفكار والأدلة ذهنيًا، ومراعاة قواعد النحو الإملاء، فكسرها مشين يشبه بقع الجدري على الوجه الحسن. ومن أهم طرق تعلمها المداومة على المراجعة والتنقيح، والمراجعة في المكتوب غالبًا أيسر من المنطوق، ولذلك فمن العملي أن يحاسب المرء نفسه بعد أحاديثه الشفهية، وأن يستعمل عقله الواعي حينها، ومع الدربة سيمتلك قدرة لافتة على الانتقاء والحذر والتصحيح. ومن سبلها المهمة المزاوجة بين الجمل القصيرة والطويلة، والتعامل الرشيق مع أدوات الربط؛ فلا تهمل، ولا في كل مكان تنثر!

إن الأناقة في الكتابة ليست ترفًا، بل هي جزء من التوقير الواجب للقارئ والمستمع، بل هي تجلٍّ لجمال النفس ذاتها، وتجلٍ لجمال المعنى حين يُصاغ بعناية وصدق. هذه الأناقة أحد أسباب الخلود والتداول؛ لأن القبول يجعلها جارية على الأقلام والألسن، ورفضها يلقي بها في سلة المهملات ممجوجة مكروهة. تذكر أن الكتابة الأنيقة تعكس شخصية الكاتب المتزنة، وتزيد من جاذبية النص حتى عند المخالف لمضمونه.

وقد علمتنا تعابير القرآن والسنة هذه الأناقة في أمثلة كثيرة جدًا تستحق أن يفرد الحديث عنها، وهي واردة في موضوعات الأدب في القرآن والسنة، فما -والله- أجمل هذه النصوص، وأكملها، وأنقاها، وأرقاها، ومن عاش مع الكتاب العزيز والسنة المشرفة بتدبر وتأمل؛ فسوف يجني خيرات حسان، وبركات لا تحصى، ومنها أناقة القلم واللسان والفكر. ومثلها نجده في ألفاظ العلماء كما في أحكام الإمام البخاري -رحمه الله- على رواة الحديث بكلمات معبرة طاهرة حتى لو حمل معناها إسقاط قبول ما يقوله الراوي.

ومما يعبر عن الأناقة المرجوة ما روي أن زبيدة لامت زوجها الرشيد على حبه المأمون دون ولدها الأمين -رحم الله الجميع-؛ فدعا ولدها الأمين مع أخيه المأمون، وكان لدى الرشيد حزمة من أعواد الآراك، فسأل الأمين والمأمون عنها، وطلب من كل واحد منهما أن يأمره بالتسوك. قال الأمين -مع أنه عربي الجدين-: هي مساويك واستك! لكن المأمون- وهو المثقف وإن كان أخواله من الفرس- أجاب بقوله: هي ضد محاسنك يا أمير المؤمنين، وسك! فأيقنت زبيدة حينها أن سبب التفضيل وجيه، وليس له تفسير آخر.

إن الأناقة المطلوبة فيها سمو وبعد عن السوقية والابتذال. هذه الأناقة تربط بحيوية بين الفكرة والشعور، وتحرص على تحقيق “الاحتشام” في اللفظ والمعنى قدر المستطاع، وتهب النص من الكمال ما يمنحه التفوق والتقدم. إن الأناقة تجعل ما يصدر عن الكاتب أو المتحدث قليلًا بيد أنه يعني الكثير، وليس كثيرًا وما فيه قليل، وهذا من نعمة الجوامع في الكلم، والاختصار المرشد للمراد. إن الأناقة في الكتابة والحديث توقير للنص والمتلقي والحقيقة، ووضع للكلمات في ميزان حساس مثل ميزان الذهب، ولا ريب فالكلمة الصافية الصادقة سوف تلمع، ولن تصدأ.

ahmalassaf@

الرياض- ليلة الأحد الحادي عشر من المحرم عام 1447

06 من شهر يوليو عام 2025م

Please follow and like us:

4 Comments

  1. كعادتك كاتبنا الأنيق؛ ومدربنا الرائع في الكتابة والتدوين، أستاذنا الذي تعلمنا منه أن الحرف الأنيق خُلق، وأن الكلمة هي معنى الحياة، مقالتك هذه تستحثنا نحو السمو بأقلامنا نحو الكتابة الأنيقة التي تعكس حقيقتنا..
    وتذكرت هذا الاقتباس اللطيف لأحد الكتاب “وما رأيتُ أحدًا مُبتلًى بحساسيَّة الكلمة إلا رقَّ لهُ قلبي، ومالتْ إليه نفسي، وإنِّي لأعني بهذه الحساسية: التذوُّق النَّافذ، والوقوف الطويل عند الظِّلال، والبحث عن أليق الألفاظ، كأنّه يَنتقي من لآلئ المعاني ما يليق بمتلقٍ كريم، يأنفُ أن تُخاطب عينه أو أذنه بسَخفٍ أو سَقط.

    وإنِّي لأمقتُ مَن يُعامل الكلمة بلا توقير، فلا يضعها في حاقِّ موضعها، ولا يرى في البيان إلّا جسدًا تُبلِّغه الفكرة فحسب،
    وأنّ الكتابة رُقيٌّ قبلَ أن تكون صناعة، إنَّهم أمناءُ الحرف، وسدنةُ المعاني، وساسةُ الكلمة في ملكوتِ الأدب.”

    كل التقدير كاتبنا ومعلمنا الرائع..

  2. مقال استثنائي ..
    يمزج بين فصاحة البيان ..
    وعمق الفكر ..

    أبدع الأستاذ أحمد حفظه الله ..
    في صياغة كلمات تنير الذهن ..
    وترتقي بالذائقة الأدبية ..

    كما لو أن اللغة تنبض بالحياة في يده ..

    قراءة النص ..
    تجربة ترفع الروح ..
    وتغذي الفكر ..
    وتذكرنا بأن الكلمة النقية ..
    والتأمل الحكيم ..
    هما ما يصنعان الأثر الخالد ..

    كل سطر فيه ..
    يحاكي سحر اللغة ..
    وأصالة المعنى ..

    ويذكرنا ..
    بأن الكتابة الأنيقة ..
    هي فناً يتقنه ..
    من يمتلك رؤية ..
    ووعياً ..
    ودقة في اختيار الكلمة …

    جزى الله ..
    الأستاذ العسّاف ..
    خير الجزاء ..
    على هذا النص الرائع ..
    والمثمر .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

X (Twitter)