جليل عظيم أن تجري سير أكابرنا على أفواه الأجيال بمختلف أعمارهم. نبيل كريم أن تغدو ذكرى الأكارم والفضلاء حية في مجالسنا متداولة في أحاديثنا. مفيد نافع أن تكون أخبار القدوات حاضرة في أذهان أفراد الأمة في عصورها كافة. إن حفظ تراجم الأوائل وذوي المفاخر جزء من العراقة، جزء من الوفاء، جزء من إرادة البقاء. بالمقابل، كم هو مؤسف أن يجهل بعض الناس أسماء الذين سبقوا من أصحاب التجارب والتأثير والفضل. كم هو محزن أن يعرف الناشئة أسماء أناس من غير نسيجهم الثقافي، وتفاصيل أحداث لا تهم بل هي ظل زائل، في مقابل غيبة الأهم والأولى عن العناية أو المعرفة.
إن استدراك هذا الخلل لواجب من واجبات سياق الحال والوقت، واستثمار لغة العصر في طرق السرد، ووسائل العرض، وتقنيات التواصل، شأن ضروري ملح، بعيدًا عن الدخول في جدل ما دامت الأصول محفوظة، والمقامات مصانة. من هذا القبيل المبارك كتاب عنوانه: السيدة الأولى، كانت الفكرة وإعداد المحتوى من نادي صناعة المحتوى، وحرره أدبيًا إسلام مصطفى عبدالمجيد، وحررته فنيًا د.ريم الباني. صدرت الطبعة الأولى من هذا الكتاب من مكتبة الرشد، عام (1447=2025م)، ويقع الكتاب في (348) صفحة، ويتكون من مقدمة وثمانية فصول دون فهرس، وفيه خيط فاصل يعين على حفظ توقفات القارئ؛ هذا إن توقف وهو يقرأ!
يحكي لنا هذا الكتاب سيرة أم المؤمنين السيدة خديجة بنت خويلد -رضي الله عنها وأرضاها- بأسلوب روائي جميل، وباستخدام الحوار الذي به تتضح به وقائع المرويات، ويتصور القارئ معها مجريات ماكان، وكيف كان، دون أن نجزم بأن النصوص ووصف الحال هو عين ما حصل بالضبط. إن استخدام المساحة المتاحة في الفراغ الثقافي مسلك فني مطروق منذ القدم، وعليه درجت الرواية والقصة المستقاة من الحقيقة، على أن تكون خادمة للحقائق، ليس فيها تضليل ولا اجتزاء، وكم في حياة الصحابة والتابعين من الجنسين من صور مشرقة جديرة بأن تبرز للناس من أجل التربية والاقتداء والإيناس والأدب.
أول فصل من الكتاب عنوانه الحصار، مع أن الحصار الذي وقع في شعب عامر للنبي وأصحابه في المسار الزمني متأخر؛ لكنه يكاد أن يختصر سيرة السيدة الرفيعة الباسقة أمنا خديجة -رضوان الله عليها-. فهي المرأة الثرية، التي أبت إلّا أن تشارك مع زوجها وقومه في حصار ظالم، واعتداء آثم، وكان يسعها أن تعتذر بما يقبل منها لأكثر من سبب وجيه يخص العمر والانتساب وغير ذلك، لكن المرأة الكبيرة التي آمنت بالرسالة والرسول، ونالت السبق في فرائد ومواقف، لم تفوت على نفسها فرصة الثبات والأجر، وآلت على نفسها أن تفقد هذه المنقبة، ولم تقبل ترك زوجها وصحبه وحدهم في البلاء.
أما الفصل الثاني فهو عن ذكريات الطفولة والشباب التي عاشتها السيدة الأبية الشموس منذ بواكير حياتها وأول نشأتها، وفيه وصيتها الخالدة لغلامها ميسرة حين صاحب وكيلها التجاري محمد بن عبدالله بن عبدالمطلب- عليه الصلاة والسلام-، فقالت له: “يا ميسرة: لا تعص له أمرًا، ولا تخالف له رأيًا”، وتلك الوصية تنبئ عن صدق فراستها بالشاب الشريف الصادق الأمين الذي فاق قريشًا في سمته وخلقه ونسبه.
يقودنا هذا الفصل إلى لاحقه الثالث بعنوان الزواج السعيد واكتمل البيت، ويصف لنا أجواء خطبة السيدة الأولى، والزواج الأول للنبي الأكرم-صلى الله عليه وسلم-، وكيف سارت حياتهما الهانئة الجميلة، وما رزقا من ذرية إبان ذلكم الزواج الميمون، وقد أخبرنا النبي الخاتم -عليه الصلاة والسلام- عن حالها معه وهو حال زوج مخلصة محسنة: “واستني بمالها إذ حرمني الناس، ورزقني الله عز وجل ولدها إذ حرمني أولاد النساء”؛ وما أكثر بركتها.
فليس بعجيب عقب ذلك أن يكون بين الزوجين حب من نوع خاص، وهو عنوان الفصل الرابع، ومختصره القول المروي عن زوجها ونبينا محمد -صلى الله عليه وسلم-: “إني رزقت حبها”، والحب رزق مقسوم مثل أي رزق بمعناه الواسع، وهذا مما يغيب على بعض بني الإنسان حينما يدعو الواحد منهم بالرزق ويقصره على المال، والرزق يتجاوز المال إلى الخلق والصحة والحب والتوفيق وغير ذلك، فاللهم ارزق الأزواج حب بعضهم بعضًا، وارزقنا من الخير الذي بيدك وتحت ملكك.
ثم يأتي الفصل الخامس بلافتة مهيبة هي نداء الناموس، وقد قال النبي -عليه الصلاة والسلام- ذاكرًا لزوجه الفضل الذي سبقت به: “آمنت بي إذ كفر الناس، وصدقتني إذ كذبني الناس”، وهذه محمدة عالية للمرأة في ديننا، فأول مؤمن مسلم امرأة، وذرية نبينا كلها بنات، وغادر الجناب الكريم الحياة وقبض إلى الرفيق الأعلى وهو بين سحر زوجه ونحرها. وفي هذا الفصل ترد الكلمة الخالدة للسيدة الأولى، حين طمأنت زوجها بكلامها الصائب، وواسته برأيها الراجح: “لا والله لا يخزيك الله أبدًا: إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق”، وما أحوج الأزواج لكلمة رفق وتشجيع ومواساة من أزواجهم.
لأجل ذلك ظفرت السيدة الأولى -رضوان الله عليها- ببشرى نقلها جبريل -عليه الصلاة والسلام-، وهو بيت القصب الذي أصبح عنوان سادس الفصول، فقد أتى جبريل إلى النبي فقال: “يا رسول اللّٰه!.. هذه (خديجة) قد أتتك، معها إناء فيه طعام وشراب، فإن هي أتتك فاقرأ عليها السلام من ربها ومني، وبشرها ببيت من قصب، لا صخب فيه ولا نصب”. وهذا البيت “قصر من لؤلؤ مجوف، لا أصواتَ مختلطةً مرتفعةً فيه، ولا تعبَ ولا مشقَّة”، مثلما شرح النووي، وقد “حازت قصب السبق بالمبادرة بالإيمان دون غيرها، ولم تصخَب عليه ويعلُ صوتها، ولا صدر منها ما يُغضبه كما صدر من غيرها، ولم تُتعبه ولا شقَّت عليه، بل خفَّفت وأعانت” حسبما ذكر ابن حجر، وكفى بقول الإمامين شارحي أهم كتابين من دواوين السنة المنيفة حجة يطمئن لها ويسند إليها.
وجاء سابع الفصول بعنوان الوداع، والوداع -ياقوم- حزين حزين، وساعته تستدر مدرار الدموع من محاجرها ولو جمدت مجاريها، بيد أن الصادق منها سوف يهطل في لحظة دون اختيار ولا سالف قرار. ولا ريب أن يكون وداع السيدة الأولى وداعًا كبيرًا يليق بمقامها الذي صرح به النبي الكريم: “والله ما أبدلني الله خيرًا منها”، وهو يقول ذلك لزوجه الأثيرة الصديقة عائشة بنت الصديق– رضي الله عنهما-، مع ماجبلت عليه الزوجات تحت رجل واحد من غيرة. وقد خلّد النبي سيرة السيدة الأولى، بمؤازرتها، وحسن عشرتها، ولا غرو أن يفعل-صلوات ربي وسلامه عليه- فحسن العهد من الإيمان.
أخيرًا يختم الكتاب بفصله الثامن تحت عنوان اللهم هالة، وقد احتفى النبي -عليه الصلاة والسلام- بكل ما يمت لخديجة بصلة، فهذه هالة أخت خديجة، وتلك من تحبها خديجة، وثالثة هي من تأتي إلى البيت أيام خديجة، بل تجاوز الحب وحسن العهد البشر إلى الجماد؛ فهذه قلادة خديجة، وهو عقد ابنتها زينب -رضي الله عنها- الذي افتدت بها زوجها الأسير بعد معركة بدر، وهو يوم الفرقان بين المسلمين والكفار. ومن عظم مكانتها أن قالت عائشة -رضي الله عنها-: “ما غِرْتُ علَىٰ نِسَاءِ النبيِّ، إلَّا علَىٰ (خَدِيجَةَ)، وإنِّي لَمْ أُدْرِكْهَا.. وكانَ رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- إِذَا ذَبَحَ الشَّاةَ، يَقولُ: “أَرْسِلُوا بهَا إلىٰ أَصْدِقَاءِ (خَدِيجَةَ)”، فَقُلتُ غاضبة: ( خَدِيجَةَ!).. فَقالَ: “إنِّي قدْ رُزِقْتُ حُبَّهَا”، فقالت (عائشة): وكأنه لم يكن في الدنيا امرأة إلا (خديجة)!
هذه سيرة السيدة الأولى، السيدة التي كون معها النبي -صلى الله عليه وسلم- أسرة كاملة، السيدة التي قضى معها النبي أكثر عمره في الزوجية، السيدة التي لجأ إليها النبي عندما تفاجأ بالناموس وهي لما تؤمن بعد. هي السيدة التي كانت من سراة القوم، ثرية، نبيلة، سليلة، مستقلة مستغنية، لكنها أحاطت ذلك كله بالعقل، والحياء، ثم زانها الله بالإيمان والسبق إلى خانات ومواقف بعضها لم يشاركها أحد فيه، فثقل وزنها في تاريخنا. تلكم السيدة الكريمة التي أقر النبي بحبها أمام أحب الناس إليه ساعتذاك، وذلكم هو الإقرار الذي لا ملامة فيه حين يكون الحب رزقًا؛ فيا أيها القارئ، ويا أيتها القارئ، هي سيرة روائية فائقة لكما، للرجل والمرأة، فهيا بنا نزداد حبًا وتوقيرًا لأمنا السيدة الأولى -رضوان الله عليها- ولا أولى سواها البتة!
الرياض-الثمامة– الأربعاء 29 من شهرِ ذي الحجة عام 1446
25 من شهر يونيو عام 2025م
2 Comments
يا لجميل ما كتبت هل أعجب من الكتاب الذي تناول علم من اعلام التاريخ وشجره باسقه بالمأثر الخالده المليئه بالعبر، ام من المدونه التي أحاطت بمحتوي الكتاب سلمت أناملك…نفع الله بك
ابكتني والله عباراتك كتب الله أجرك ورفع قدرك
واسأل الله ان يستعملنا وإياكم في طاعته