سير وأعلام مواسم ومجتمع

آثار علمية من عنيزة

أنا على يقين بقدرة الجامعات السعودية المنتشرة في جميع مناطق المملكة على تبني مشروع علمي لحصر الآثار العلمية والأدبية والفكرية والتاريخية لبلادنا؛ ففي بلادنا حواضر علمية كثيرة بجهاتها كافة، ويضاف لها مشيخة الزبير النجدية، وما وقف العقيلات وراءه من مشروعات علمية ولو كانوا حينها خارج البلاد. هذا المشروع سوف يضيء جانبًا من الشخصية الحضارية والعلمية للبلاد السعودية، وأهلها. ثمار هذا المشروع متعددة، مثل معاجم إحصائية وتعريفية، وسير وتراجم، وإعادة طباعة، وتحقيق مخطوطات، وترجمة، وإحياء ذاكرة الأماكن بما فيها من مساجد وجوامع ومكتبات، وأبحاث ترقية، ودراسات علمية عليا.

سوف أضع هنا مثالًا واحدًا مختصرًا، يمكن أن يكون توضيحًا للفكرة لاحصرًا لها إن في المضمون أو البقاع أو المجال أو الأسماء أو غير ذلك؛ فالحصر يحدّ من مبتكرات العقول، ويقيد منتجات الأذهان. سيكون مثالي قاصرًا على مدينة عنيزة، شريطة أن يكون الأثر مما يتوقع له الخلود والمرجعية، مع رحيل صاحبه، وضرورة تنوع الحقول المعرفية والعلمية للآثار متجاوزًا معضلة التفريق بين العلم والفن. هذه الضوابط المشروطة تخص هذا المقال فقط، ومن الطبيعي أن أي مشروع علمي سيكون أكثر إحكامًا في جميع خطواته وشروطه.

فمن أجلّ الآثار العلمية التي صدرت من مدينة عنيزة، تفسير الشيخ عبدالرحمن بن ناصر بن سعدي (1307-1376=1889-1957م) -رحمه الله-، المسمى “تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان”. صدر هذ االتفسير في عدة أجزاء بعدما كتبه العالم الرباني في منتصف عمره، ثم جمع في مجلد واحد، وحظي قبيل نشره بمراجعة حديثية، وطبعات متعددة، وقبول كبير. امتاز التفسير بنقاوة محتواه في المعتقد، واختصاره، ووضوح عبارته، وجمال سبكه، وكثرة لفتاته الإيمانية والتربوية والعلمية. هذا التفسير كما ذكر الشيخ بكر بن عبدالله أبو زيد -رحمه الله- مثّل حنابلة نجد في هذا العلم المهم المرتبط بالكتاب الكريم.

أما الفقه، فمؤلفاته التي خرجت للدنيا من عنيزة كثيرة جدًا، وربما أن أشهرها وأطولها هو “الشرح الممتع على زاد المستقنع” للشيخ محمد بن صالح بن عثيمين (1347-1421=1929-2001م) -رحمه الله-، الذي شرحه الشيخ الحبر خلال سنوات عديدة، ثم طبع أكثر من طبعة إلى أن استقر على الطبعة المعتمدة من المؤسسة التي تحمل اسم الشيخ. مما يذكر في هذا السياق أن مؤسسة الشيخ الخيرية قد حفظت تراث ابن عثيمين، وتراث شيخه ابن سعدي، وربما غيرهما، وهذه منقبة للمؤسسة والقائمين عليها.

لقد صنعت عنيزة لنفسها مدرسة فقهية اختطت لها مسارها التحصيلي والإفتائي الخاص المتأثر بمنهج شيخ الإسلام ابن تيمية وطلبته -رحمهم الله-. هذه المدرسة قائمة إلى يومنا، والمتوقع أن تستمر. من خبر الفقه والقضاء في عنيزة تلكم السيرة القضائية المشبعة بالفهم والفراسة للشيخ القاضي المؤرخ صالح بن عثمان القاضي (1282-1351= 1865-1932م) -رحمه الله، وله طلبة كبار داخل عنيزة وخارجها. من هذا الخبر النفيس تلك الدروس والفتاوى والمراسلات والكتب والمجالس العلمية للشيخ عبدالله بن عبدالعزيز بن عقيل (1335-1432= 1917-2011م) -رحمه الله- حتى وصف بشيخ الحنابلة، علمًا أنه اختير للقضاء وعمره دون العشرين. ومن أخبارها البهية الجامع الكبير الذي تولى إمامته، والتدريس فيه، والتخرج على يد علمائه، والقيام بشؤونه، عدد جم من علماء عنيزة وأكابرها، فكان الجامع، ولا زال، أحد منابر العلم الكبرى في الجزيرة العربية، وإن سيرة هذا الجامع لجديرة بأن تروى.

وفي التاريخ أنجبت عنيزة مؤرخون كثر، حفظوا لنا تاريخ عنيزة والقصيم والجزيرة العربية، وهم من أسر علمية وتجارية عريقة، مثل الذكير والبسام والقاضي والعبيد والخويطر والسلمان وغيرهم ممن استوطن عنيزة وكتب تاريخه فيها مثل المؤرخ ابن عيسى. وقد وفق الله الشيخ الفقيه المؤرخ النسابة عبدالله بن عبدالرحمن البسام (1346-1423= 1928-2003م) -رحمه الله- إلى جمع عدد كبير طويل ومختصر مما كتب في تاريخ نجد وجوارها، سواء من المطبوع أو المخطوط، ثمّ صدرت هذه الخزانة في عشر مجلدات بعنوان “خزانة التواريخ النجدية”، وهو جهد قمين بأن يكمل ويخدم، وعسى أن يكون.

حديثنا عن التاريخ سيأخذنا معه إلى التراجم والسير، فلعلماء عنيزة يد على تاريخ السادة الحنابلة، يأتي على رأس أعمالهم كتاب” السحب الوابلة” للشيخ الفقيه المؤرخ محمد بن عبدالله بن حميد (1236-1295= 1820-1878م) -رحمه الله-، الذي أمّ مقام الحنابلة في الحرم المكي. وقد حقق هذا الكتاب أحد علماء اللغة وخبراء المخطوطات من عنيزة، وهو الدكتور عبدالرحمن بن سليمان العثيمين (1365-1436 = 1945-2014م) -رحمه الله-، وسبق له تحقيق عدة كتب عنيت بتراجم فقهاء الحنابلة، ولابن عثيمين اللغوي المؤرخ والأستاذ الجامعي سيرة عذبة عذبة، نافعة نافعة، عظيمة عظيمة، وكان له في مكة مجلس علمي غزير الفوائد يعقده في منزله كل سبت. وللشيخ الفقيه المؤرخ عبدالله البسام إسهام مبارك حين حفظ سير علماء نجد خلال قرون، وهو منتج ثمين يكمل عمله النفيس في خزانته الآنف ذكرها.

ومن هذا الباب ما سجله الوزير د.عبدالعزيز بن عبدالله الخويطر (1344-1435= 1924-2014م) -رحمه الله- عن يومياته وذكرياته وصدرت في أربعة وأربعين جزءًا لكنه توفي دون إكمال بقيتها، وهذا الكتاب لو وجد من يستخرج لبابه لجاء في أربعة مجلدات فيه شيء كبير من تاريخنا الاجتماعي والإداري، وهذا المستخلص هو ما يمنحه أهمية فبعض ما فيه لا يوجد في غيره. كما كتب الأديب إبراهيم بن محمد الحسون (1329-1425= 1911-2005م) -رحمه الله- سيرته الماتعة جدًا في أربعة مجلدات، وصارت حديث الخاصة والعامة، ولن تذكر السير الذاتية السعودية اللذيذة دون الإشارة إليها.

أما إذا عرجنا على علوم النحو واللغة والشعر، فسوف نقع على إرث عنيزاوي ضخم، مثل “شرح ألفية ابن مالك” للشيخ الضرير النحوي والفرضي والفقيه علي بن محمد الزامل (1346-1418= 1928-1998م) -رحمه الله-، وهو من أحفاد زامل بن عبدالله بن سليم أحد أمراء عنيزة المشاهير، وممن درس على الشيخ المفسر الأمين الشنقيطي صاحب أضواء البيان، وقد أعجب الشيخ بتلميذه وأسئلته. كما تتلمذ على المشايخ ابن سعدي، وابن باز، وعبدالرزاق عفيفي، وابن عودان، و كان مرجعًا علميًا لزملائه وغيرهم، رحم الله الجميع.

كذلك حفظ لنا الراوية وصناجة عنيزة عبدالرحمن بن إبراهيم الربيعي (1309-1402= 1891-1982م) -رحمه الله- عشرات المخطوطات الطويلة والمختصرة فيها دواوين من الشعر العامي، وهذا الشعر مصدر تاريخي واجتماعي مهم، واعتمد على مخطوطاته بعض من ألف في هذا الباب. ومن شعراء عنيزة الكبار الشاعر إبراهيم بن محمد الدامغ (1357-1435= 1938-2014م) -رحمه الله-، وله عدة دواوين منها “أسرار وأسوار” الواقع بعدة أجزاء طبعها مركز صالح بن صالح الثقافي في عنيزة، وهو أحد المؤسسات المهمة بعنيزة، وهذا المركز يحيلنا إلى الشاعر مسافر، أحمد بن صالح الصالح (1362-1444= 1943-2022م)، نجل المعلم الأهم في تاريخ عنيزة الحديث، رحمهما الله، ولمسافر دواوين شعر تصل إلى العشر.

ومن العلماء البلدانيين من عنيزة د.عبدالرحمن بن عبدالله الواصل (1373-1444=1954-2023م)، وله كتب بلدانية عن عنيزة والقصيم وحائل، ومنهم الأستاذ الجامعي والعالم البلداني د.عبدالله بن عبدالعزيز الحميدي (1375-1421=1956-2000م) الذي شغف بهذا العلم والنفع فيه، وله دراسات متقنة عن بعض بلدان الجزيرة العربية وأماكنها ونباتاتها، إحداها رسالته للماجستير عن القطيف، ورسالته للدكتوراة عن الجغرافيا الطبية لمدينة الرياض، ولولا وفاته المبكرة لكانت مشاركاته أكثر.

وممن كان له أثر ثقافي كبير عبر مجالسه في عنيزة، المثقف الموسوعي عبدالرحمن بن إبراهيم البطحي (1358-1427=1939-2006م) -رحمه الله-، ولم يصدر من آثاره شيء حتى الآن فيما أعلم، وإن كانت مآثره العلمية والثقافية مروية متداولة. حكاية المجالس والمدارس والمساجد والمؤسسات المجتمعية في عنيزة ترتبط مع هذا الموضوع برباط وثيق، ومن الطبيعي أن يقود البحث فيه إلى الإشارة إليها بتوسع أو بإشارة عابرة لعلها أن تغدو شرارة مضيئة لباحث آخر يحيط بها من جوانبها كافة.

وأختم هذه الآثار العملية، بذكر موسوعة أسر عنيزة، التي جمعها وألفها الشيخ الرحالة محمد بن ناصر العبودي (1345-1343=1926-2022م) -رحمه الله-، وصدر في سبعة عشر مجلدًا. وهي موسوعة ضخمة، تحوي الكثير من الأخبار والعلوم والسير والتاريخ والبلدان والأشعار والكتب، وقد اعتمد مؤلفها الشيخ العبودي على عدة أشخاص من علماء عنيزة، ومؤرخيها، وبعض أفراد أسرها، وهذا الكتاب يختص بعنيزة حتى وإن كان مؤلفه من جارتها الكبيرة بريدة.

هذه الآثار تبرهن لنا على نشاط حركة التأليف والكتابة عبر العصور، خلافًا لما يشاع، وإن تزايدت هذه الحركة في الأزمنة المتأخرة زيادة لافتة عن السابق. أيضًا تدلنا هذه الآثار على موسوعية علمائنا، فبعضهم أشتغل بعدة فنون، وتفوق فيها أو في أغلبها. وكذلك تنبهنا هذه الآثار على تعانق العلوم والكتب في مكتبتنا العربية والإسلامية، وتخادمها، وعلى القيمة التي تتركها هذه الآثار للأجيال وللبلدان وللعلم. ومما لا يخفى أن توارث العلم في بلد يدل على أصالته وعراقة أهله وعلو همتهم. وهذه الآثار تصلح من مدخلات دراسة شخصية البلد، وتحليل طبائع المجتمع ومكوناته.

أود أن أقول مجددًا: هذا الشأن لا يخص عنيزة بل هو عام في كل ناحية من بلادنا، وهو مادة جميلة للباحثين والدارسين. وأقول موضحًا: الأمثلة أعلاه لا تعني البتة أنها جميعها الأكمل والأمثل في حقلها، وإنما هي ما لي به معرفة دون استقصاء، والمدى واسع يستوعب المزيد دون نكير، حتى وإن تفاضلت المؤلفات والأعمال. وأقول معترفًا بالفضل: إني وجهت بعض الأسئلة للدكتور إبراهيم بن عبدالرحمن التركي، فأجابني مشكورًا إجابات فيها شيء من التفصيل، دون أن يعلم عن غرضي منها. وأقول محترزًا من توجيه اللوم لأبي يزن: إن الدكتور التركي لم يقرأ هذا المقال قبل نشره، بل ربما أن القارئ يطالعه الآن قبله، وقد أجابني بذكر أمثلة وأسماء، وكان الخيار لي في الانتقاء، وهو خيار غايته البيان والتمثيل فقط. خاتمة القول: عسى أن نرى عما قريب آثار بلادنا العلمية محصورة في معاجم ومؤلفات، كي تبقى خالدة شاهدة لأصحابها، ولمجتمعهم، ولمؤسساتهم، ولديارهم.

ahmalassaf@

الرياض- الخميس 23  من شهرِ ذي الحجة عام 1446

19 من شهر يونيو عام 2025م

Please follow and like us:

2 Comments

  1. اقترح ان ترجع الى كتاب ( عنيزة بين الامس واليوم ) للدكتور محمد السلمان ،
    ففيه معلومات تفيدك في موضوعك ان شاء الله ✅

    1. شكرا لكم أخي عبدالله. والمؤلف د.السلمان مؤرخ موفق ذو تآليف نافعة، والكتاب دائما أوسع من المقال. الكتاب طالعته سابقا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

X (Twitter)