السياسة

رجل الدَّولة الأعظم!

رجل الدَّولة الأعظم!

كلُّ حديث بشري إذا تكرر يدركه الملل، وتعلوه السّآمة، وإنّما سرُّ حلاوة الحديث في التّجديد والتّحديث، إلاّ نوعين من الأحاديث، أحدهما خاصّ، وهو حديث المرء عمّا يحب، أو عمّن يحب، فلو فتن إنسان بشيءٍ؛ فلن يكفَّ عن ترداد الكلام حوله تلذّذًا، أو معه استمتاعًا، حتى أنَّ الشَّاعر يقول عن محبوبته: ودَّ جليسها إذا ما انقضت أحدوثة لو تعيدها!

والنّوع الثّاني عام يشترك فيه كثيرون، وقد يكون عن موضوع ما، كالاستثمار، والسِّياسة، والخرافة، والمستقبل، ومنها أحاديث النِّساء عن الرِّجال والعكس، أو يكون الحديث عن شخصيّة آسرة، يجتمع النَّاس على تقديرها، ومعرفة فضلها؛ ولو كان الخلاف معها أصليًا.

ومن هذه الشَّخصيات النَّادرة، عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه، فهو الرَّجل الذي بهر المشركين المعاصرين له على اختلافهم، وحظي بدعاء خاصّ من النّبي عليه الصّلاة والسّلام، ولم ينصرف لأحد سواه. وهو المهيب في عيون معاصريه، ووجدانهم، والحاضر في شواهد من جاء بعده في عصور وأحوال متفرقة.

ولم يبذل عمر درهمًا واحدًا لنيل هذه المكانة، ولم يعتلِ منصَّة الفوز بجائزة دوليّة، أو يخطب عبر منابر عالميّة، ولم يستجلب لأجل نيلها إعلاميًا روميًا، ولا صحفية إغريقيًة، ولا مفكّرًا فارسيًا، وطبعًا لم ينثر المال في جيوب شعراء العرب، وكتابّهم، ومرتزقة الدّنيا لاعقي الأحذية، وبالمقابل؛ فلم يكن التّرهيب وسيلته لبلوغ هذا السّمو الباذخ.

وإنّما حاز هذا الموقع السنّي، والتّاريخ البهي، والذّكر العاطر، واللسان الصَّادق، من أفعاله، وأقواله، وتصرفاته، ومنجزاته، في شؤون شتى، وما أكثر الكتب، والدِّراسات، والمقالات، التي تتحدث عن جوانب من إبداع عمر، وأولياته، وتميزه في الحكم، والإدارة، والقضاء، والسِّياسة، وجولة سريعة في أي موقع للبحث تصدِّق ذلك؛ مع الأخذ بعين الاعتبار أنّه لم يسع لذلك، وأنَّ كتَّابها لا ينتظرون من مقامه شيئًا دنيويًا.

وإذا أردنا الحديث عن رجل الدَّولة وسماته، فسيكون عمر بن الخطَّاب على رأس قائمة الأمثلة التي يستشهد بها، وكيف لا يكون وهو العبقري المسدَّد، والمفكِّر البصير، وشيخ أشياخ السِّياسة الشّرعيّة، وفارس فرسان السِّياسة الواقعيّة، تنظيرًا، وتأسيسًا، وتطبيقًا؟

فحين أراد ضبط شؤون الدَّولة، اتخذ لها بعد الشُّورى تأريخًا مرتبطًا بحدث فارق في سيرة نبي الإسلام، ومسيرة دولته، وهو الهجرة إلى المدينة. وبعد أن رغب في اتخاذ لقب يخفِّف على الآخرين مؤونة النِّداء، ويبتعد عن تطويل كتابته، جعل من أمير المؤمنين، لقبًا يصف الحقيقة، وليس فيه تزكية، أو تنقيص للغير.

ولما فاضت روحه الطَّاهرة، كان قد فتح للمسلمين طريقة ثالثة بديعة في الاستخلاف، تحفظ للأمة حقَّها الشَّرعي الثَّابت في الاختيار والرِّضا، وتمنع من دخول من لا يستحق في دائرة التَّرشيح، فسبحان من ألهمه ربط مبتكراته بثقافة أمته وحضارتها، حتى غدت متوافقة مع سنن الدِّيانة، وجارية مع اللسان، ومتلائمة مع الإنسان.

وفي سنوات حكمه، تفقَّد أحوال النَّاس مباشرة بالعسّ، وزيارة الأقاليم، وجمع الحكّام في الموسم، وسؤال وجوه الشَّعب، وطلب التَّقارير التَّفصيلية من الأمراء، والقضاة، والقادة. وإذا أراد تعيين أمير أو قاض، فحص الأسماء، واختار من يجد الجواب الصَّحيح المقنع عن سبب اختياره، وفوق ذلك يحاسب المسؤول ولو كان من أكابر رواة الحديث الشَّريف، ويعزل الأمير إذا شكاه المواطنون؛ ولو كان من العشرة الخيرة المبشرين بالجنَّة، حتى وإن تكررت من أهل البلدة طلبات الإعفاء!

ولا يأنف عمر من إجابة أيّ سؤال يرده من الأمة، أو تعقيب، أو اعتراض، فقد أجاب من سأله عن سرِّ امتلاكه ثوبين، بينما كان التّوزيع ثوبًا ثوبًا، وتراجع عن حكمه بسبب اعتراض امرأة، وأنصت لعجوز بكلِّ خضوع مع غلظة خطابها، ولم يكن عمر يفعل ذلك لتحسين صورته أمام العالم والمنظمات الحقوقية؛ لأنَّه بالمقابل ألزم المرأة بما جاء في دين الله، فلينه وشدّته كلها لله وفيه؛ وليست للبشر، ومنظّماتهم، وإعلامهم.

ومن هذا الباب، رضي بالتَّحاكم مع كبار مستشاريه؛ بسبب اختلافهم حول سياسة مالية، ولك أن تعجب، فهذا زعيم يخالفه مستشاروه، ولم يتزلفوا له بالموافقة على رأيه بدعوى حكمته الباهرة، وبعد نظره الثّاقب، وهو لم يعاقبهم بالعزل، بزعم المناكفة، وتضييع المصالح، وإنّما صاروا إلى حكم يفصل بينهم بما يراه، ثم قبلوا حكمه.

ومن بصيرة عمر، أنّه كان يفسر قراراته للنّاس حتى من دون أن يطلبوا تعليلًا، ويصبح الأمر أولى عليه حين يستفسر منه أحد، فقد عزل خاله القائد الملهم خالد بن الوليد رضي الله عنه وبيَّن السَّبب، وعزل ابن عمه لأجل بيت شعر فيه ذكر للخمر، وأبعد زيادًا عن كتابة أبي موسى بسبب عقله الذي لا يدركه العامة، وأقصى أقاربه من قائمة مرشحي الخلافة بعده؛ ضنًّا بهم عن الحساب الأخروي، وقطعًا لدابر التّوريث بغير حق، والأمثلة كثيرة كما في فعله بأرض السَّواد، وتقسيم العطاء، وغيرها.

ويعرف سيدي وسيد ساداتي-عدا الأنبياء والصّديق- أنَّ القوة لغة فصيحة، ماضية، نافذة، ولذا كانت له منجزات عسكرية عظيمة، حيث بنى الجيش، وقسَّم الجند، وحدَّد الرَّواتب، وأمر بالتَّجنيد للجهاد، والقتال، فضلًا عن الدِّفاع الذي يتشارك فيه الجميع، ثم رتّب شؤون المؤن، واختيار القادة، ومنع إقامة الحدود في الحرب، واتخذ المعسكرات الدَّائمة، ونظَّم بقاء المجاهد بعيدًا عن أهله، وفوق ذلك كانت حروبه كلُّها عادلة، إنسانية، فيها رحمة، ودعوة، وعدل.

ولعمر في بيت المال شأن لا يجارى، فقد أدار بيت المال، وفرض العطاء، والرَّواتب، والخراج، والزّكاة، وعموم الموارد والمصارف، واعتنى بالمصالح العامة، وحين أخذ الأموال من النَّاس، أخذها بحقٍّ، ووضعها في حقّ، ولم يمنح نفسه أو ماله حصانة، فضلاً عن أن يتمتع بأموال الأمة هو وخاصّته، ولم يترك المواليد من العطاء بعد سماعه بكاء رضيع أرادت أمه فطامه؛ ليكون له رزق من الدَّولة، ووضع دارًا للضِّيافة يأوي إليها الغريب، والمسافر، والمنقطع، وبالتّالي كانت خيرات البلاد تصل للكافة، بلا مثنوية ولا اختصاص.

 ولأنَّ أبا حفص من أكابر القضاة، أولى القضاء أهمية قصوى، من حيث الاختيار، والمتابعة، والتَّدقيق، وتنسيق العلاقة بين القاضي والأمير، وإغناء القاضي كي لا يزل، وفوق ذلك كتب لأبي موسى كتابًا في القضاء، ولهذا الكتاب شروح وتعليقات تنبئ عن الانبهار به، ولعمر الله إنَّ كتاب عمر؛ ليقبس شيئًا من خلود عمر، وبهائه، وعظمته.

ومع الشدَّة، والصَّرامة، والعزيمة، التي سادت في عهد عمر، نلمح أمرين مهمِّين للغاية، الأول منهما، أنَّ هذا النِّظام الدّقيق كان مضاعفًا من عمر على عمر نفسه، وعلى أولاده، وآله، وأهل بيته، فلم يختصّ بشيء دون الأمة، وكان بنوه وأهله كسائر النَّاس أو أقل، وبذلك قطع على كلّ أحد الاحتجاج على عمر بشيء له، أو لزوجه، أو لولده، أو لتابعه، أو لعامله.

والملمح الثَّاني، أنَّ سجون عمر على ندرتها، لم تكن مكانًا لجمع المعارضين، أو حجز المنافسين، أو اكتساب الغنائم الخاصّة، أو عقاب أصحاب الرّأي المستقل، فلا تكاد تجد فيها إلا واقعًا في حدّ، أو معترفًا بقصاص، أو والغًا في عرض، أو مبتلى بزندقة، أو مجاهرًا بمعصية، وهذا هو العدل، الذي لن يعترض عليه عاقل.

  لقد كانت حياة عمر، وإدارته، نصحًا لله، ولرسوله، ولأئمة المسلمين، وخاصّتهم، فعمل مستشارًا مقرّبًا للنَّبي الكريم صلى الله عليه وسلم، ثم قاضيًا ومستشارًا لصيقًا بالصّديق الأكبر رضون الله عليهما، وآلت إليه المسؤولية عن قناعة شعبيّة شبه تامة، وحين رحل كان من آخر نصيحته للأمة؛ أن أوصى خليفته بإقرار عمّاله مدَّة سنة؛ ثم ينظر في إبقائهم أو صرفهم، وإنَّ رجلًا يفكر بهذا الإجراء وهو يغادر الدُّنيا، لإداري خبير، وناصح أمين، وزعيم كبير.

 فيا رجل الدَّولة أيَّاً كان موقعك، إذا أطربتك سيرة عمر، فاقتبس منها شعلة أو اثنتين أو أكثر، لعلَّ الله أن يكتب لك التَّوفيق والنَّجاح، والسَّلامة والنَّجاة، ففي سيرة عمر من البركة والخير؛ ما جعل أثرها واضحًا في سبطه الأشجّ المبارك العادل سيدي وسيد ساداتي-إلاّ الأنبياء والصّحابة- عمر بن عبد العزيز رضوان الله عليه، وهذه السّيرة العمرية جعلت عالماً يقول بوجع: دفنت سعادة الإسلام في أكفان عمر! وهذا طريقٌ لاحب، واضح، مستبين، فمن سلكه بلغ، ومن تنّكبه ففي الضّلالة ولغ!

أحمد بن عبد المحسن العسَّاف-الرّياض

ahmalassaf@

الأربعاء 28 من شهرِ جمادى الأولى عام 1439

14 من شهر فبراير عام 2018م

رأيك أنت مهم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *